فقال قوم من المعتزلة وعلى رأسهم «بشر بن المعتمر» رئيس معتزلة بغداد: كل ما تولد من فعلنا مخلوق لنا، فإذا فتحت عين إنسان فأدرك الشيء فإدراكه فعلي، وإدراك جميع الحواس فعل الإنسان؛ ومن فعله أيضا لون ما يصنع من المأكولات - مثلا - طعومها ورائحتها، ومن فعله الألم واللذة والصحة والزمان والشهوة إلخ.
وفرق أبو الهذيل العلاف أحد شيوخ المعتزلة بين المتولدات فقال: إن كل ما تولد من فعله مما يعلم كيفيته فهو من فعله، وما لا فلا؛ فالألم الحادث عن الضرب، وذهاب الحجر صعدا إذا رماه إلى أعلى، وسفلا إذا رماه إلى أسفل ونحو ذلك من فعله؛ أما الألوان والطعوم والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والجبن والشجاعة والجوع والشبع فكلها من فعل الله.
وكان النظام يرى أن الإنسان لا يفعل إلا الحركة، فما ليس بحركة فليس من صنعه، ولا يفعل الإنسان الحركة إلا في نفسه، فأما في غيره فلا؛ فإذا حرك يده فذلك فعله، وأما إذا رمى حجرا فتحرك الحجر إلى فوق أو إلى تحت، فتحرك الحجر ليس من فعل الإنسان، وإنما هو من فعل الله، بمعنى أن الله طبع الحجر أن يتحرك إذا دفعه دافع وهكذا؛ فصلاة الإنسان وصيامه، وحبه وكرهه وعلمه وجهله، وصدقه وكذبه، كلها حركاته، فكلها أفعاله، بل سكونه كذلك فعله، لأن السكون حركة، فمعنى سكون الإنسان في المكان أنه كائن فيه وقتين، أي تحرك فيه وقتين؛ وعلى ذلك فالألوان والطعوم والأراييح والآلام واللذائذ ليست من فعله لأنها ليست حركات.
ولغير هؤلاء أقوال في التوليد يطول ذكرها - وعلى اختلافهم في النظر إلى التولد اختلفوا في تعريفه؛ فقال بعضهم: الفعل المتولد هو الفعل الذي يكون بسبب مني، ويحل في غيري؛ وبعضهم يقول: «هو الفعل الذي أوجبت سببه فخرج من أن يمكنني تركه». وقال بعضهم: كل فعل يتهيأ وقوعه على الخطأ دون القصد إليه، والإرادة له، فهو «متولد»، وكل فعل لا يتهيأ إلا بقصد، ويحتاج كل جزء منه إلى تجديد وعزم وقصد إليه، وإرادة له، فهو خارج عن حد التولد إلى آخر الأقوال.
وتولد من قولهم في التولد مسائل أخرى، فقالوا - مثلا - إذا بعد الشيء عن السبب، فهل يعزى إلى السبب الأول أولا؛ فلو رمى أحد سهما فأمسك آخر بطفل وعرضه للسهم حتى أصابه، فإلى من ينسب الفعل؟ أإلى مطلق السهم، أم ممسك الطفل؟ كما بحثوا في علاقته السبب بالمتسبب: هل السبب موجود قبل المسبب، أو موجود معه؟ وهل السبب موجب للمسبب أولا؛ كما أثار ذلك مسألة علاقة الإرادة بالفعل: هل إذا وجدت الإرادة يتبعها بالفعل حتما،
34
إلخ، مما يخرج بنا عن القصد لو حكيناه.
ويظهر أن هذه المباحث حول التولد وما تولد منه لم تكن مباحث ميتافيزيقية بحتة، بل كان يراد منها أيضا بحث في المسئولية القانونية والأخلاقية فإنا نراهم في هذه المسألة يبحثون في القتل وتحديده، وما هو عمل القاتل وعمل المقتول؛ وماذا إذا فعل القاتل ما يسبب القتل، ولكن لم يتولد من فعله القتل إلخ. وإن كان كلامهم في المسئولية لم يصل إلينا منه إلا القليل؛ كما أن من مقتضى قولهم في التولد، والإيمان بارتباط الأسباب بالمسببات، وأن الإنسان مكلف بالأسباب لحصول مسبباتها، كالتكليف ببناء المعاقل والحصون لدفع العدو، كما قال تعالى:
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
لأن ذلك سبب لابد منه، ينتج عنه صد المغيرين؛ وكبناء القناطر لضبط المياه وتنظيم الري؛ وكإقامة الحدود حتى لا تكثر الجرائم. قالوا: وقد رأينا الشارع كلف بها، فلولا أن الأسباب مربوطة بالمسببة، ولولا أن هذه الأفعال في قدرتنا ما كلفنا بها، ولما كان هناك محل للمدح والذم من أجلها إلخ. (1-3) الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين
وهما الأصلان الثالث والرابع من أصول المعتزلة، وقد جمعناهما معا للارتباط الشديد بينهما.