تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحار قوم بين أدلة هؤلاء وهؤلاء، فأرادوا أن يسلكوا سبيلا وسطا، ومن هؤلاء أبو الحسن الأشعري؛ فاخترع ما سماه «الكسب». وقد فسره بعض أتباعه بأنه «الاقتران العادي بين القدرة المحدثة (أي قدرة الإنسان) والفعل، فالله تعالى أجرى العادة بخلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته لا بقدرة العبد وإرادته، فهذا الاقتران هو الكسب».

وهو - كما ترى - لا يقدم في الموضوع ولا يؤخر، فهو شكل جديد في التعبير عن الجبر، فهو يرى أن القدرة الحادثة لا تؤثر في المقدور، ولم ينكر أن هذا الذي سماه كسبا من خلق الله؛ فلم هذا الدوران والنتيجة القول بالجبر؟ وقال آخرون: إن الله خلق للعبد قدرة يصرف بها الأمور؛ فأعمال العباد تضاف إلى الله باعتباره أنه أقدرهم عليها، وخلق القدرة فيهم، وتضاف إلى العبد باعتبار أنه هو المصرف لأعماله بالقدرة الحرة التي خلقها الله فيه. وهذا رجوع في الحقيقة إلى قول المعتزلة، مع الخلاف في التعبير فقط.

فنحن في الواقع بين فرقتين لا غير: فرقة الجبر وفرقة الاختيار.

وقد نحا بعض المفكرين من المسلمين نحوا آخر، فقالوا: إن العالم كله مبني على أسباب ومسببات، وإرادة الإنسان خاضعة لأسباب، فإذا أرادت ما أرادت فذلك لأسباب، وإذا لم ترده فلأسباب أيضا؛ فإذا رأى إنسان طعاما شهيا وهو جائع اشتهاه من غير اختيار؛ وإذا رأى شيئا يؤلمه ويؤذيه كرهه وهرب منه. فالعمل الذي نعمله نتيجة أمرين: أسباب خارجية وإرادة منا، ولما كانت هذه الأسباب الخارجية تجري على نظام محدود، وترتيب منضود، لا تختل أبدا، وكانت إرادتنا الداخلية معلولة لهذه الأسباب، كانت إرادتنا كذلك جارية على نظام محدود، «والنظام المحدود الذي في الأسباب الخارجية والداخلية هو القضاء والقدر الذي كتبه الله على عباده».

فإذا نحن نظرنا إلى الأسباب الخارجية قلنا إن الإنسان مجبور، وإذا نظرنا إلى الإرادة وحدها فالإنسان مختار؛ وبهذا يمكن الجمع بين الآيات المختلفة، وقد قرر هذا الرأي الفيلسوف ابن رشد في كتابه «مناهج الأدلة».

32

وهذا القول في حقيقة أمره قول بالجبر الفلسفي.

على كل حال قرر المعتزلة حرية إرادة الإنسان وقدرته بأجلى مظاهرها، وتأولوا الآيات الواردة على خلاف ذلك، فتأولوا ما ورد من الختم والطبع مثل:

ختم الله على قلوبهم

و

بل طبع الله عليها بكفرهم

بتأويلات مختلفة؛ من ذلك ما ذكره الزمخشري أنه من قبيل الاستعارة أو التمثيل، فلا ختم ولا طبع في الحقيقة، ولكن لما كان الحق لا ينفذ إلى قلوبهم، ولا يخلص إلى ضمائرهم من قبل إعراضهم واستكبارهم، جعل قلوبهم كأنها مستوثق منها بالختم أو الطبع، أو أن حالتهم في أن قلوبهم لا ينتفعون بها فيما كلفوا به وخلقوا من أجله تشبه حالة من ختم على قلبه وطبع عليه، واستشهدوا على ذلك بقول بعض المازنيين، وقد جعله الحبسة في اللسان والعي ختما عليه فقال:

ختم الإله علي لسان «عذافر»

ختما فليس علي الكلام بقادر

وإذا أراد النطق خلت لسانه

لحما تحركه لصقر ناقر

وقد أسند الختم والطبع إلى الله لينبه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها كالشيء الخلقي غير العرضي إلخ. ومثل ذلك آية

وجعلنا على قلوبهم أكنة

ونحوها.

33

وقد أثارت مسألة خلق الأفعال عند المعتزلة وخصومهم مسائل كثيرة متفرعة عنها؛ فمن ذلك مسألة التولد:

فلما قرر المعتزلة أن أفعال الإنسان مخلوقة له استوجب ذلك التساؤل: ما الرأي في الأعمال التي تتولد عن عمله؟ أهي كذلك من خلقه؟ فإذا ضرب إنسان آخر فالضرب لاشك من خلق الضارب، ولكن ما القول في الألم الذي يحسه المضروب وهو المتولد من الضرب؟ أهو كذلك من خلقه؟ وإذا رمى الإنسان سهما فقتل المرمي، فما القول في القتل؟ أهو من خلق الرامي؟ وهكذا تساءلوا في كل المتولدات؛ فإذا أضفنا نشا وسكر وأنضجناهما تولد من ذلك فالوذج، فهل طعم الفالوذج ولونه من خلقنا؟ وهل خروج الروح عند الذبح وذهاب الحجر عند الدفعة، والإدراك الحسي إذا فتحنا أبصارنا، وكسر الرجل عند السقوط، وصحتها إذا جبرت، ونحو ذلك، من خلقنا؟ هذه هي ما يسمونها (مسألة التولد).

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٢٩