تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فما لهم لا يؤمنون ،

فما لهم عن التذكرة معرضين . وآيات أثبت فيها المشيئة للعبد:

فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . وآيات أمر بها العباد بالإسراع إلى الطاعة قبل فواتها:

وسارعوا إلى مغفرة من ربكم . وآيات حكى فيها التحسر يوم القيامة على الكفر والمعصية:

قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا ،

أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين .

31

وقالوا ثالثا: إن كان الله خلق أعمال الناس فهو إذا لا يرضى عما فعل، ويغضب مما خلق، ويكره ما دبر.

وكان لهم خصوم مختلفون ، فأشد خصومهم من كان يذهب إلى الجبر المحصن؛ ويرون أن أفعال الناس واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، وليس لقدرة الناس تأثير فيها، وليس الإنسان إلا محلا لما يجريه الله على يديه، فهو مجبر جبرا مطلقا، وهو والجماد سواء لا يختلفان إلا في المظهر، فمظهر الإنسان أنه مختار وحقيقته أن لا اختيار، والجماد مجبرا مظهرا وحقيقة، وتنسب الأفعال إلى الإنسان مجازا، فضرب فلان وكتب وأساء وأحسن كلها مجازات، كما يقال أثمرت الشجرة، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس، وأمطر السحاب. والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال جبر، والتكليف جبر، ولهم - كذلك - على قولهم أدلة كثيرة؛ قالوا: إن الإنسان إن كان موجدا لأفعاله وخالقا لها وجب أن تكون هناك أفعال لا تجري على مشيئة الله واختياره، ويكون هناك خالق غير الله؛ هذا إلى ما ورد في القرآن دالا على ذلك من مثل قوله تعالى:

الله خالق كل شيء ،

ختم الله على قلوبهم ،

ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ،

والله خلقكم وما تعملون

إلخ.

والواقع أن هذه هي مشكلة المشاكل، سميت بالجبر والاختيار، وبحرية الإرادة، وبالقضاء والقدر، وحار فيها الفلاسفة قديما وحديثا فأثارها الفلاسفة اليونانيون قبل المعتزلة، وكان بعضهم يرى أن الإرادة حرة في الاختيار كالأبيقوريين، وبعضهم كان يرى أنها مجبورة على السير في طريق لا يمكنها أن تتعداه كالرواقيين.

ولما جاء الإسلام وجاء دور البحث أثاروا هذه المسألة، فقال الجبريون وعلى رأسهم «جهم بن صفوان»: إن الإنسان مجبور، وليست له إرادة حرة ولا قدرة على خلق أفعاله، وهو كالريشة في مهب الريح أو كالخشبة بين يدي الأمواج، وإنما يخلق الله الأعمال على يديه، وقالت المعتزلة: إن إرادة الإنسان حرة، وقدرته تخلق ما يعمل، وفي استطاعته أن يفعل وألا يفعل، وهو يفعل ما يختار.

والذي دعا إلى هذا الاختلاف بين المسلمين أن الأدلة العقلية متباينة، وظواهر النصوص مختلفة.

فمن ناحية نرى أن الله يطالب الناس بالعمل ويدعوهم إليه، ويأمر وينهى؛ ويثيب على فعل ما أمر، ويعاقب على الإتيان بما نهى، ووضع الحدود والعقوبات ، ووعد و أوعد، وساءل العصاة لم تعديتم ولم عصيتم ولم كفرتم، وقد أفسحت لكم مجال العمل، وأرسلت لكم الرسل، وأبنت الحجة! ثم ملئت نصوص الكتاب بذلك، فكيف يعقل بعد أن نقول إنه لا أثر لقدرة الإنسان أصلا، ولو لم تكن له قدرة لما كان معنى للطلب، ولما كان معنى للثواب والعقاب، ولكان التكليف تكليفا بالمجال، ولحق اعتراض المعترض بأنه لم يفعل ما فعل حتى يستحق لوما أو عقابا.

ومن ناحية أخرى، إذا قلنا إن العبد خالق أعماله ترتب عليه تحديد قدرة الله وأنها لم تشمل كل شيء، وأن العبد شريك لله تعالى في إيجاد ما في هذا العالم، والشيء الواحد لا يمكن أن تتعاون عليه قدرتان، فإن كانت قدرة الله هي التي خلقته فلا شأن للإنسان فيه، وإن كانت قدرة الإنسان هي التي خلقته فلا شأن فيه لقدرة الله، ولا يمكن أن يكون بعضه بقدرة الله وبعضه بقدرة العبد، لأن الشيء الواحد لا بعض له - هذا إلى النصوص القرآنية الكثيرة الدالة على شمول إرادة الله وقدرته.

ففريق المعتزلة رجحوا الجانب الأول، ووقفوا، وقف الدفاع عنه، وتأولوا النصوص التي ظاهرها مخالفته، وبذلوا في ذلك عناء كثيرا ومجهودا شاقا، وألجأهم إلى ذلك ما تصوروه من معنى العدل عند الله كما بينا. وفريق الجبرية رجحوا الجانب الآخر، إذ كان شنيعا لديهم أن يحدوا من إرادة الله وقدرته، وتأولوا الآيات الدالة على قدرة العبد، وقالوا في مسألة التكليف والثواب والعقاب. إنها ليست خاضعة لتصورنا في العدل والظلم، فالعدل والظلم ونحوهما كلمات تطبق على الناس لا على الله، إذ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٢٨