وكان خصومهم يرون في هذه المسألة أن الله مريد لجميع ما كان، غير مريد لما لم يكن، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فالمعتزلة يقولون إن كفر الكافرين وعصيان العاصين لم يردها الله، وخصومهم يقولون أرادهما.
يستدل المعتزلة بأن الله لو كان مريدا لكفر الكافر، ومعاصي العاصي، ما نهاه عن الكفر والعصيان، وكيف يتصور أن يريد الله من أبي لهب أن يكفر ثم يأمره بالإيمان وينهاه عن الكفر، ولو فعل هذا أحد من الخلق لكان سفيها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ ولو كان كفر الكافر وعصيان العاصي مرادين لله ما استحقا عقوبة، ولكان عملهما طاعة لإرادته - قالوا - هذا إلى ما في القرآن من آيات كثيرة تدل على أنه لا يريد ما نهى عنه، قال تعالى:
سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم ، وقال تعالى:
قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ، وقال تعالى:
وما الله يريد ظلما للعباد ، وقال تعالى:
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر .
وحجة خصومهم أن كل ما في الكون من خير وشر محتاج إلى إرادة تريد حصوله، فكل حادث مراد، والشر والكفر والمعاصي حوادث موجودة واقعة، فهي مرادة.
والظاهر أن الخلاف راجع إلى تصور العدل وتصور الحسن والقبح، فلما قاس المعتزلة الغائب على الشاهد في تعرف العدل، وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من الحسن والقبح، كان ضروريا أن يذهبوا في الإرادة هذا المذهب الذي شرحنا. ولما كان خصومهم لم يعترفوا بقياس الغائب على الشاهد، ولم يعترفوا بأن أعمال الله موجهة لغاية وغرض، ولم يعترفوا بأن ما يوصف من أعمالنا بالحسن والقبح هو عين ما يوصف من أعمال الله بذلك، رجحوا الجانب الآخر وهو شمول إرادة الله.
والواقع أن كل فرقة كانت أمام مشكلة عويصة حاولت أن تحلها من جانب فتعقدت من جانب؛ فإذا قلنا إن إرادة الله ومشيئته شاملة لكل ما يحدث فكيف يشاء الشر؟ وإذا قلنا إن إرادته لا تتوجه إلا إلى الخير فكيف يقع في ملكه ما لا يريد؟
ومثل هذا الخلاف في إرادة الله، الخلاف في قدرته تعالى؛ وبعبارة أخرى في العلاقة بين قدرة الله وأعمال العباد: هل أعمال العباد مخلوقة لله، أو هي مخلوقة للعبد؟ وهذه هي المسألة التي تعنون عادة بخلق الأفعال. فأكثر المعتزلة يقولون إن أفعال العباد مخلوقة لهم. ومن عملهم هم لا من عمل الله، وباختيارهم المحض؛ ففي قدرتهم أن يفعلوا وأن يتركوها من غير دخل لإرادة الله وقدرته، ودليل ذلك ما يشعر به الإنسان من التفرقة بين الحركة الاختيارية والاضطرارية كحركة من أراد أن يحرك يده وحركة المرتعش، وكالفرق بين الصاعد إلى منارة والساقط منها؛ فالحركة الاختيارية مرادة من الإنسان مقدورة له، بخلاف الحركة الاضطرارية فلا دخل له فيها - وثانيا لو لم يكن الإنسان خالق أفعاله لبطل التكليف، إذ لو لم يكن قادرا على أن يفعل وألا يفعل ما صح عقلا أن يقال له افعل ولا تفعل، ولما كان هناك محل للمدح والذم والثواب والعقاب، بل ما كان لنبوة النبي وإصلاح المصلح فائدة؛ كما استدلوا على مذهبهم بكثير من آيات القرآن؛ فهناك آيات تضيف الفعل إلى الناس، كقوله تعالى:
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ،
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ،
من يعمل سوء يجز به . وآيات تمدح المؤمن على الإيمان، وتذم الكافر على الكفر، كقوله:
اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ،
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان . وآيات تدل على أن أفعال الله ليست كأفعال المخلوقين من التفاوت والاختلاف، كقوله:
ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . وآيات فيها إنكار وتوبيخ على الكفر والعصيان، كقوله:
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ... الآية ،