تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال هؤلاء: إن الناس يستحسنون ويستقبحون تبعا لشرائع سابقة أو مواضعات أو نحو ذلك، «فلو خلق إنسان تام الفطرة كامل العقل، من غير أن يتخلق بأخلاق قوم، ويتأدب بآداب الأبوين، ولا تربى تربية الشرع، ولا تعلم من معلم، ثم عرض عليه أمران: أحدهما أن الاثنين أكبر من الواحد، والثاني أن الكذب قبيح ... لم يتوقف في الأول وتوقف في الثاني» مما يدل على أن الأمر أمر مواضعات. «فلم يبق إلا عادات الناس، من تسمية ما يضرهم قبيحا، وما ينفعهم حسنا، ونحن لا ننكر أمثال تلك الأسامي، على أنها تختلف بعادة قوم دون قوم، وزمان وزمان، ومكان ومكان، وإضافة وإضافة، وما يختلف بتلك النسب والإضافات لا حقيقة له في الذات؛ فربما يستحسن قوم ذبح حيوان، ويستقبحه قوم، وربما يكون بالنسبة إلى قوم وزمان ومكان حسنا، وربما يكون قبيحا»، «والعقلاء يستحسنون إنقاذ الغرقى، ويستقبحون العدوان لطلب الثناء وخوف الذم».

27

وقد يظهر في بعض المسائل صعوبة تطبيق ذلك، ونتوهم أن الشخص يفعل الحسن لذاته، ويتجنب القبيح لذاته، ولكن بتدقيق النظر يتجلى لنا وجه الحق، وأنه إنما يفعله طلبا للثناء أو لارتباط المعاني، أو نحو ذلك من الأسباب النفسية.

28

ولما تقدم الزمان رأينا نقطة النزاع تتخذ شكلا أدق وأضبط، فقالوا: لا خلاف بيننا وبين المعتزلة في أن كلمتي الحسن والقبح قد تطلقان ويراد بهما ما في الشيء من كمال ونقص، كأن يقال: العلم حسن والجهل قبيح، ونحن جميعا لا ننازع في أن هذه الأمور يدركها العقل؛ وقد تطلق كلمتا الحسن والقبح على ما يلائم الغرض وما لا يلائمه، وقد يعبرون عن المعنى بالمصلحة والمفسدة؛ فما وافق الغرض أو بعبارة أخرى ما كانت فيه مصلحة فحسن، وما لم يوافق الغرض أو ما كان فيه مفسدة فقبيح؛ وهذا أيضا لا نزاع في إدراكه بالعقل، وإن كان إضافيا، فقد يكون حسنا لقوم قبيحا لآخرين بهذا المعنى - إنما النزاع في الحكم على الأعمال بأن فاعلها يستحق المدح والثواب، أو الذم والعقاب. فالمعتزلة يقولون: إن هذا مما يدرك أيضا بالعقل، فنستطيع أن نحكم على بعض الأعمال بالحسن، بمعنى أن فاعلها يستحق مدحا وثوابا، وعلى بعض الأعمال بالقبح، فيستحق فاعلها ذما وعقابا، ومخالفوهم يقولون إن هذا لا يدرك إلا بالشرع.

29

والخلاف بين المعتزلة وغيرهم في الحسن والقبح الذاتيين يذكرنا بالخلاف بين الفلاسفة الحديثين فيما يسمى «نظرية القيم»: «هل قيم الأشياء من جمال وخير وشر وحق وباطل صفات عينية في الأشياء، أي هل لها وجود مستقل عن عقولنا؟ أم هي من وضع العقل؟ فطائفة من الفلاسفة تقول إن للقيم وجودا مستقلا عن العقل، ووظيفة العقل هو إدراكها، فالعقل يتبينها ولا يثبتها؛ وطائفة تقول إن القيم مجرد معان قائمة بالعقل يصف بها الناس الأشياء إذا كانت لها في نظرهم قيمة، ولهم فيها غرض أو غاية، ولا توجد إلا حيث توجد هذه الغاية»

30

إلخ.

أما مسألة الإرادة - أعني علاقة إرادة الله بالكائنات، فوجهة نظر المعتزلة فيها أنا نرى أن مريد الخير خير، ومريد الشر شرير، ومريد العدل عادل، ومريد الظلم ظالم؛ فلو كانت إرادة الله تتعلق بكل ما في العالم من خير وشر لكان الخير والشر مرادين لله، فيكون المريد موصوفا بالخيرية والشرية والعدل والظلم، وذلك محال على الله، فهو يقول:

وما الله يريد ظلما للعباد .

وإذا فقد قالوا: إن الله أراد ما كان من الأعمال خيرا أن يكون، وما كان شرا ألا يكون، وما لم يكن خيرا ولا شرا فهو تعالى لا يريده ولا يكرهه. وبعبارة أخرى: إن الله مريد لما أمر به من الطاعات أن يكون، فهو يريد منا أن نأتي بالصلاة والزكاة، وأن نوحد الله ونؤمن برسله، ولا يريد منا المعاصي، فلا يريد الكفر والفسوق والعصيان؛ أما المباحات فلا يريدها ولا يكرهها.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٢٦