أما نظرية المعتزلة في الحسن والقبح، فإنهم لما قرروا أن الله عادل حكيم، وأن أعماله لغاية، وأنه يتبع العدل في أعماله للوصول إلى هذه الغاية، كان من الطبيعي أن يثيروا مسألة الحسن والقبح في الأعمال، فرأوا أن الحسن والقبح في الأعمال ذاتيان، فالكذب فيه قبح ذاتي، والصدق فيه حسن ذاتي، ومن أجل هذا لا نجوز على الله الكذب لما في الكذب من قبح، ونقول إنه لابد أن يقول الصدق لما في الصدق من حسن ذاتي؛ فجميع الأعمال الحسنة من عدل وصدق وشجاعة وكرم فيها نفسها صفة جعلتها حسنة، وجعلتنا نحكم عليها بالحسن إذا رأيناها، وجميع الأعمال القبيحة من ظلم وكذب وجبن وبخل فيها ذاتها صفة جعلتها قبيحة وجعلتنا نحكم عليها بالقبح - والشرع بأمره بأشياء ونهيه عن أشياء، إنما يتبع في ذلك ما في الأشياء من حسن وقبح، فأمره بالمحافظة على الأنفس والأموال إنما هو لما فيها من حسن، ونهيه عن القتل والسرقة لما فيهما من قبح، ومحال أن يعكس فيأمر بالقتل والسرقة، وينهى عن الأمانة، لأنه ليس مستقلا في أمره ونهيه، بل هو تابع فيهما للحسن والقبح الذاتيين - وكذلك العقل يستحسن أشياء لإدراكه ما في الأشياء ذاتها من حسن، ويستقبح أشياء لإدراكه ما في الأشياء ذاتها من قبح؛ فالشرع في تحسينه وتقبيحه للأشياء مخبر عنها لا مثبت لها، والعقل مدرك لها لا منشئ - وكل ما في الأمر أن العقل قد يدرك الحسن والقبح بالضرورة، أي من غير إعمال نظر، كحسن إنقاذ الغريق، وحسن الصدق النافع، وقبح كفران النعمة؛ وقد يدركه بعد إعمال النظر، كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع.
واستدلوا على هذه النظرية بأدلة أهمها: (1)
أن الناس قبل ورود الشرائع كانت تتحاكم إلى العقل، وتتجادل بالعقل، ويلزم الفريق خصومه بما يدل عليه العقل، وليسوا يرجعون في ذلك إلا إلى ما في الأشياء من حسن وقبح ذاتيين، ونرى العقلاء قبل الشرائع يستحسنون إنقاذ الغرقى، وتخليص الهلكى، ويستقبحون الظلم والعدوان، بل إنه يستحسن ويستقبح من أنكر الأديان والشرائع. (2)
لو لم يكن في الأشياء حسن وقبح ذاتيان، لأفحمت الرسل وما استطاعوا الدعوة، لأنهم يطلبون النظر إلى الأشياء بعقولهم، ومنها إمكان إرسال الرسل والمعجزة وما إلى ذلك، فلو لم تكن هذه الأشياء حسنة في ذاتها يدركها العقل من نفسه من غير توقف على الشرع لقال هؤلاء لا يجب علينا النظر في معجزاتكم ونبوتكم إلا بالشرع، ولا يستقر الشرع إلا بنظرنا في نبوتكم ومعجزاتكم فيفحمون. (3)
لو لم يكن في الأفعال ذاتها حسن وقبح، بل هي من عمل الشرع، لما أمكن الفقهاء أن يعملوا عقولهم في المسائل التي لم يرد فيها نص، ولا ستحال تعليل الأحكام، ولبطل القول بلم ولأنه؛ لأن التعليل كله مبناه صفات الأفعال.
ورتب المعتزلة على هذا الرأي أن الإنسان مكلف قبل ورود الشرائع - أو إذا لم تبلغه دعوة الرسل - بما يدل عليه العقل؛ فهو مكلف بشكر المنعم، ومكلف بمكارم الأخلاق، ولو لم يصل إليه شرع في ذلك.
وكان خصومهم يرون غير هذه النظرية، فيرون أن الحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، والقبيح ما ورد الشرع بذم فاعله؛ وليس الشرع يمدح ويذم، ويوجب وينهى، تبعا لما في الشيء من حسن وقبح ذاتيين، بل الحسن والقبح تابعان لأمر الشرع ونهيه، فالشرع في أمره ونهيه مثبت لا مخبر، ولا شيء حسن لذاته، ولا قبيح لذاته، ولو عكس الشارع فأمر بالكذب ونهى عن الصدق، لكان الكذب حسنا والصدق قبيحا. ولهم على ذلك أدلة أهمها أن الحسن والقبح لو كانا ذاتيين لم يتخلفا، ولم يتوقفا على شروط، فإن ما بالذات لا يتخلف؛ ونحن نرى أن القتل قد يكون قبيحا إذا توافرت فيه شروط، وقد يكون حسنا في مواضع، فهو قبيح إذا لم يصدر من المقتول ما يستوجب القتل، وهو حسن إذا كان قصاصا، ولو كان ذاتيا لم يتبدل بالإضافة إلى الأحوال؛ ونرى الشيء قد يكون حسنا في زمن ولا يكون حسنا في آخر، والشرائع نفسها تشرع أشياء لقوم، وتشرع غيرها لآخرين، فلو كان هناك حسن وقبح ذاتيان لم تتغير الشرائع بتغير الزمان والمكان والناس.