تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فما كان الله ليظلمهم ، وقال تعالى:

لا ظلم اليوم .

24

وقد ساروا في هذا الطريق إلى نهايته ووصلوا ببحثهم إلى مسائل كثيرة أهمها ثلاث: (1)

أن الله يسير بالخلق إلى غاية، وأن الله يريد خير ما يكون لخلقه. (2)

وأن الله لا يريد الشر ولا يأمر به. (3)

وأن الله لم يخلق أفعال العباد لا خيرا ولا شرا، وأن إرادة الإنسان حرة، والإنسان خالق أفعاله، ومن أجل هذا كان مثابا على الخير معاقبا على الشر.

ولنشرح الآن في إيجاز وجهة نظرهم في هذه المسائل:

أما في المسألة الأولى فقالوا: «إن الحكيم لا يفعل فعلا إلا لحكمة وغرض، والفعل من غير غرض سفه وعبث، والحكيم إما أن ينتفع أو ينفع غيره، ولما تقدس الله تعالى عن الانتفاع تعين أنه إنما يفعل لينفع غيره».

25

فهم بذلك يرون أن العالم يسيره الله إلى غاية وإلى غرض، وليس العالم يسير سبهللا، ولا يخبط خبط عشواء؛ فحركات النجوم والبحار والأنهار، وثوران البراكين وكل حوادث الكون إنما تسير وتحدث لتحقيق غرض، وهذا الغرض هو نفع من في العالم. وقد أداهم هذا النظر إلى نظريتين مشهورتين، وهما نظرية الصلاح والأصلح، ونظرية الحسن والقبح العقليين.

فنظرية الصلاح والأصلح، أن الله لما كانت أعماله معللة، ويقصد منها إلى غاية وهي نفع العباد، فالله يقصد في أفعاله إلى صلاح العباد؛ ومن المعتزلة من قال بأنه يجب على الله أن يعمل ما فيه صلاح لعباده، ومنهم من لم يكتف بذلك بل قال يجب رعاية ما هو الأصلح. فكل عمل من أعمال الله على رأيهم لابد أن يقصد به إلى خير العباد وصلاحهم، وجمهور المعتزلة يقولون إنه لابد أن يقصد إلى ما هو الأصلح لهم.

وقد رأى بعض من غير المعتزلة رأيهم ووافقوهم في جوهر قولهم، ولكن عابوهم في تعبيرهم بقولهم: «يجب على الله»، فلو أنهم قالوا هذا هو النظام أو القانون الذي يقصد الله إليه في عمله أو نحو ذلك من التعبير لكانوا أقرب إلى الأدب، وهذا خلاف في التعبير فقط؛ إنما الفريق الكبير الذي كان يخالفهم في هذا الرأي قوم يرون أن أفعال الله ليست معالة بغرض، يعنون بذلك أن ليس الباعث لله على العمل هو الغاية. وقد اعترض بعضهم على وجهة نظر المعتزلة بما في العالم من شرور، كان يكون العالم خيرا منه لو لم تحدث، «فقد منع الأموال قوما، وأعطاها آخرين، وأعطى قوما مالا ورياسة فبطروا وهلكوا، وكانوا مع القلة والخمول صالحين، وأمرض أقواما فملوا وضجروا ونطقوا بالكفر وكانوا في صحتهم شاكرين، وأي صلاح في خلق إبليس والشياطين، وإعطائهم القوة على إضلال الناس؟؟ ثم وجدناه تعالى أمات سريعا من ولي أمور المسلمين بالحق والعدل، وولى عليهم زيادا والحجاج وبغاة الخوارج، فأي مصلحة في هذا لزياد والحجاج وقطري أو لسائر المسلمين؟ إلى آخر ما في العالم من شرور لأحد لها، ولا يمكن تفسير ما فيها من المصلحة؛ ولهم على ذلك أمثلة كثيرة، ومجادلات مع المعتزلة طويلة، فلم خلق من يفسد الحرث والنسل، ويثير الظلم، ويميت الحق؟ ولم أنظر إبليس إلى يوم القيامة، وأمات النبي

صلى الله عليه وسلم ، فهل ذلك أصلح للخلق؟» إلى آخره.

26

وقد استطاع المعتزلة أن يجيبوا عن بعض هذه الاعتراضات وعجزوا عن بعضها، وقالوا ليس عجزنا يضر بنظريتنا، فإنا لم ندع الإحاطة بأغراض الله، ولم تبلغ عقولنا بعد من السعة ما نستطيع بها أن ندرك كل علة وكل غرض.

على كل حال فخلاصة قول الآخرين أن المعتزلة أخطأوا في قياس الله على الإنسان؛ فرأوا أن الإنسان لا يفعل إلا لغاية، وأن الناس يتفاوتون في الغايات، وكلما كان الإنسان أعدل وأحكم كان أصح غاية، وكان أصح توجيها لأعماله إلى هذه الغاية، فالله لابد أن تكون له غاية، وأن يوجه أعماله إليها؛ وفاتهم أن هذا القياس ليس بصحيح أو على الأقل ليس بلازم، فلسنا نعلم عن الله ما يمكننا من هذا الحكم؛ ولو كانت له غاية كما يقولون فكيف نجرؤ على القول بأن غايته من أفعاله هي الغايات التي تخضع لها عقولنا، ثم نفسر غاياته من أعماله بهذا التفسير الإنساني؟

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٢٤