21
فما يسميه الناس كلام النفس ليس إلا معلومات وإدراكات أدركها الإنسان وزورها في نفسه بعبارات وألفاظ، وليس هناك شيء وراء ذلك.
وهذا هو عين ما يثيره علماء النفس والمنطق حتى الآن من (البحث فيما إذا كان الإدراك يمكن أن يقوم بنفسه من غير ألفاظ أو لا؟ وإذا كان فإلى أي حد يكون ذلك؟ ويذهبون في ذلك مذهبين: فمنهم من يقول إن من الممكن التفكير بدون الاستعانة باللغة؛ ومنهم من يذهب إلى أن ذلك غير ممكن، وأن التفكير من غير ألفاظ ضرب من الوهم الكاذب. وقد قال «مكس ملر»: «إن الفكر واللغة شيء واحد، وشبه ذلك بالنقد (أحد النقود) فقال ليس ما نسميه بالفكر إلا وجها من وجهي النقد، والوجه الآخر هو الصوت المسموع، والنقد شيء واحد لا يقسم؛ فليس ثم فكر وصوت ولكن كلمات»).
22
أثار الأشاعرة والمعتزلة هذا الكلام ليطبقوه على كلام الله، فلما أنكر المعتزلة الكلام النفسي قالوا ليس كلام الله إلا ما نقرؤه ونسمعه من القرآن والكتب الدينية وهي مخلوقة ولا شك، ولا شيء وراءها إلا ذات الله القادرة على خلق الكلام المريدة للخلق. وقال الأشاعرة: إن لله كلاما نفسيا غير القدرة والإرادة والعلم، وهو قديم لا يتغير، والقرآن مظهر لهذه الصفة وأثر من آثارها وهو مخلوق.
قال صاحب المواقف (وهو يعبر عن رأي الأشعرية) بعد كلام طويل: «إذ عرفت هذا فاعلم أن ما يقوله المعتزلة في كلام الله تعالى، وهو خلق الأصوات والحروف الدالة على المعاني المقصودة وكونها حادثة قائمة بغير ذاته تعالى نحن نقول به، ولا نزاع بيننا وبينهم فيه، وما نقوله نحن كلام النفس المغاير لسائر الصفات فهم ينكرون ثبوته، ولو سلموه لم ينفوا قدمه، فصار كل النزاع نفي المعنى النفسي أو إثباته».
23
وقد يعجب القارئ من شدة الاختلاف بين الناس في مثل هذا الأمر حتى احتكموا فيه إلى السيف كما سيأتي بيانه، لكن يجب أن ننبه هنا إلى أن تحديد وجوه الخلاف وحصر نقط النزاع بالشكل الذي أوضحناه لم يكن بينا في أكثر عقول الناس إذ ذاك؛ بل كانت هناك معان غامضة زاد غموضها هياج الناس وتبلبل الأفكار، وأخذ الناس فيها بالشدة - فقد رأوا أن هناك قضيتين واضحتين وهما: (1)
أن كلام الله صفة له، وكل ما هو صفة فهو قديم؛ فكلام الله قديم. (2)
أن القرآن كلام الله وهو مركب من حروف مرتبة متعاقبة في الوجود، وكل ما هو كذلك حادث؛ فالقرآن حادث ومخلوق - فهاتان القضيتان شتتا أفكار الناس وأدخلتاهم في منازعات جدلية شديدة، ودخلت العامة في النزاع فزادوا المسائل غموضا وشتاتا، ولو حددت مواضع النزاع بالشكل الذي شرحنا لا نحسم كثير من الخلاف، ولكن هذا لم يصل إليه العلماء إلا بعد أن أغمد السيف وهدأت الأفكار وتكلم العلماء وحدهم. •••
هذا هو ملخص قول المعتزلة في التوحيد: توحيد لله فلا شريك له، وتوحيد لله ذاته وصفاته فليست متعددة بحال، وتنزيه له عن الجسمية وصفات الحوادث؛ وقد فرعوا على هذا الأصل كل الفروع التي ذكرناها، وفروعا أخرى أقل منها أهمية لم نذكرها، وكانت كل مسألة يثيرونها تستتبع مسائل غيرها وهكذا، فملأوا العالم الإسلامي ببحوثهم من هذا القبيل. (1-2) العدل
الأصل الثاني من أصولهم العدل، والعدل والتوحيد أهم أصول المعتزلة، وكانوا يفخرون بأنهم أهل العدل والتوحيد.
والمؤمنون جميعا يعتقدون بعدل الله، ولكن المعتزلة - كعادتهم - تعمقوا في معنى العدل وحدوده، وأثاروا حول ذلك مسائل كثيرة أهمها: (قالوا: وجدنا من فعل الجور في الشاهد (أي في الإنسان المشاهدة أعماله) كان جائرا، ومن فعل الظلم كان ظالما، ومن أعان فاعلا على فعله ثم عاقبه عليه كان جائرا عابثا، والعدل من صفات الله، والظلم والجور منفيان عنه قال تعالى:
وما ربك بظلام للعبيد
وقال تعالى:
وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ، وقال: