وكلا الفريقين - كما ترى - له وجهة نظر تستحق التبجيل والاحترام. وفريق آخر، من بعض الحنابلة، رغم أن «القرآن بحروفه وأصواته قديم، وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم جهلا: الجلد والغلاف قديمان فضلا عن المصحف»،
19
وقالوا: «قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله، وأن ما نقرؤه ونسمعه ونكتبه كلام الله، فيجب أن تكون الكلمات والحروف هي بعينها كلام الله - ولما تقرر الاتفاق على أن كلام الله غير مخلوق فيجب أن تكون الكلمات أزلية فيه غير مخلوقة».
20
وهو قول ظاهر البطلان صادر من عقل ضيق ونظر سقيم.
هذان هما الفريقان اللذان ناهضا المعتزلة في قولهم بخلق القرآن، فكان الخلاف دائرا حول القرآن، أعني حروفه وألفاظه وكلماته؛ يقول المعتزلة بحدوثها، ويقول بعض الحنابلة بقدمها، ويقول آخرون لا نتكلم في هذا الموضوع.
وظل النزاع محصورا في هذه الدائرة أيام محنة القول بخلق القرآن، أعني أيام المأمون والمعتصم والواثق.
حتى جاء أبو الحسن الأشعري المتوفى نحو سنة 330، ونقل موضوع النزاع إلى نقطة أخرى، فقال: إن «كلام الله يطلق أطلاقين كما هو الشأن في الإنسان، فالإنسان يسمى متكلما باعتبارين: أحدهما بالصوت، والآخر بكلام النفس الذي ليس بصوت ولا حرف، وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ، فإذا انتقلنا من الإنسان إلى الله رأينا أن كلامه تعالى يطلق بهذين الإطلاقين: المعنى النفسي وهو القائم بذاته، وهو الأزلي القديم، وهو لا يتغير بتغير العبارات، ولا يختلف باختلاف الدلالات، وهذا هو الذي نريده إذا وصفنا كلام الله بالقدم، وهو الذي يطلق عليه كلام الله حقيقية؛ أما القرآن - بمعنى المقروء المكتوب - فهو بلا شك كما يقول المعتزلة حادث مخلوق، فإن كل كلمة تقرأ تنقضي بالنطق بما بعدها، فكل كلمة حادثة، فكذا المجموع المركب منها، ويطلق على هذا المقروء المكتوب «كلام الله» مجازا.
وهذا - كما ترى - تسليم منهم بكل ما يقوله المعتزلة في القرآن بمعنى المتلو المقروء، ثم انتقل النزاع في مسألة جديدة، هي ما ابتدعه الأشعري من الكلام النفسي، فالمعتزلة أنكروه والأشعرية أثبتوه، وبدأوا الجدل في الإنسان لأنه أقرب منالا، حتى إذا فرغوا من ذلك تكلموا بنفس هذه المعاني في الله تعالى.
قال الأشعري والأشاعرة: إن هناك كلاما نفسيا قائما بالنفس الإنسانية وبذات المتكلم ليس بحروف ولا أصوات، يجده العاقل في نفسه، ويدور في خلده، تارة إخبارا عن أمور رآها أو سمعها، وتارة حديثا مع نفسه بأمر أو نهي، ووعد ووعيد، وتارة حكما عقليا بأن الحق في هذه المسألة كذا، والباطل كذا؛ ثم أحيانا يتحول هذا الكلام النفسي إلى كلام لفظي، وأحيانا لا يتحول، وهذا هو ما يسمى بالنجوى، وهو الذي قال فيه الله تعالى:
فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ؛ وفي الحديث عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله وقد سأله رجل فقال: إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجري، فقال صلى الله عليه وسلم: لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن إلخ. ومن أنكر هذه المعاني فقد جحد الضرورة وباهت العقل، وأنكر البديهيات. ومن العجب أن الإنسان قد يجوز أن يخلو ذهنه عن كل معنى، ولكنه لا يخلو أبدا من حديث النفس حتى في النوم، فإنه في الحقيقة يرى في منامه أشياء، وتحدثه نفسه بأشياء، وربما يطاوعه لسانه وهو نائم، فيتكلم متابعة لنفسه.
وقالت المعتزلة: نحن لا ننكر الخواطر التي تطرأ على نفس الإنسان، وربما نسميها أحاديث النفس، إلا أنها في الحقيقة تقديرات للعبارات التي ينطق بها اللسان؛ ألا ترى أن من لا يعرف كلمة بالعربية لا يخطر بباله كلام العرب، ومن لا يعرف الفارسية لا يخطر بباله كلام الفرس، ومن عرف اللسانين تارة تتحدث نفسه بلسان العرب وتارة بلسان الفرس، فعلم على الحقيقة أن أحاديث النفس تابعة للعبارات اللفظية. فالكلام في الحقيقة هو الحروف التي يعبر عنها اللسان، ومن قدر عليها فهو المتكلم، ومن لم يقدر عليها فهو الأبكم؛ فليس الكلام حقيقة عقلية كسائر المعاني، بل هو عبارات وألفاظ ونحوها تختلف بالمواضعة والاصطلاح والتواطؤ، حتى لو تواطأ قوم على نقرات وإشارات ورموز يحصل التفاهم بها كما يحصل التفاهم بالعبارات.