تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان يناهض المعتزلة في صفة الكلام وخلق القرآن وغيرها من الصفات فريقان:

فريق يسمون «السلف» يرون أن الله وصف نفسه بصفات: من قدرة، وإرادة، وعلم، وكلام، وسمع، وبصر؛ ووصف نفسه أنه على العرش، وقال:

ليس كمثله شيء ، فيجب أن نؤمن بها كما جاءت، ولا نتعرض لتأويلها وشرحها، فنجري ظواهر النصوص على مواردها، ونكف عن تأويلها، ونفوض معانيها إلى الله قالوا: وقد درج أصحاب رسول الله على ترك التعرض لمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها؛ فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع؛ فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين، ولا نخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الله، فليجر آية الاستواء والمجيء وقوله:

لما خلقت بيدي

و

يبقى وجه ربك

وقوله:

تجري بأعيننا ، وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه.

17

وهم «ينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون من دينهم، ويسلمون للروايات الصحيحة، ولما جاءت به الآثار التي جاءت بها الثقات عدلا عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله

صلى الله عليه وسلم

لا يقولون كيف ولا لم لأن ذلك بدعة».

18

فهم - كما ترى - يرون الوقوف عند النص، ولا يسمحون لأنفسهم بتأويلها، وكأنهم يرون أن معرفة صفات الله وذاته فوق العقل البشري. وليس من القدرة ما يستطيع بها أن يدرك كنهها ولا كيفيتها، فتحاشوا أن يسألوا بما وبكيف، وقالوا نؤمن بما جاء كما جاء، ولا نتكلم فيما لم يجيء. وقالوا: إذا عجزنا في أنفسنا عن «ما» دائما، وعن «كيف» كثيرا، فكيف نستطيع أن نجيب عن «ما» و«كيف» في ذات الله وصفاته؟! وإذا كان ذلك كذلك فلنؤمن بما جاء، ولنقف عند ما جاء، فلا نبحث فيما إذا كانت صفات الله عين ذاته ولا غير ذاته، ولا نبحث في كيف تصدر المحدثات عن القديم، ولا كيف يتصل علم الله القديم بالمعلومات المحدثة، ولا نحو ذلك، لأنها فوق عقولنا، وإذ ذاك تكون مجالا للزلل؛ فجوهر الخلاف إذا بين هؤلاء والمعتزلة هو سلطة العقل ومداها وحدودها؛ رأي المعتزلة أن العقل البشري قد منح من السلطة والسعة ما يمكنه من إقامة البرهان حتى على ما يتعلق بالله، فلا حدود للعقل إلا براهينه، ولا زلل ولا خطأ متى صلح البرهان، فلنستعمل البراهين في أدق الأمور وأصعبها وأعقدها، ففي استطاعة العقل الوصول إلى الحق فيها. وهكذا كانت نزعة المعتزلة هذه متجلية في كل أبحاثهم، يسيرون وراء البرهان إلى نهايته، ويثيرون أصعب المشاكل وأعقدها، ويتعرضون لحلها، فإذا تم لهم حلها أو - على الأقل - اعتقدوا بحلها، تأولوا آيات القرآن على مقتضاها. وعلى العكس من ذلك الآخرون: رأوا أن العقل أضعف من ذلك، وأن استطاعته محدودة بإدراك ما يتعلق بشأنه هو أو أقل من ذلك، وأنه منح القدرة على أن يدرك البرهان على وجود الله، والنبوة العامة، ونبوة محمد خاصة؛ ولم يمنح القدرة على كنه الله وصفاته، فلنؤمن بما جاء به أنبياؤه، ولنقف عند ما قالوه، ولا نثر مشاكل لم يأت بها الأنبياء، ولنسد الطرق على من يثيرونها، فإن جادلناهم في شيء ففي بيان خطئهم وفساد طريقتهم؛ فلما أثار المعتزلة القول بخلق القرآن قالوا هم: «القرآن كلام الله لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق»، فإثارة هذه المسألة بدعة لم يقلها النبي

صلى الله عليه وسلم

ولا صحابته، فلا نتابعكم في السير فيها، ولا نتابعكم في الجدال والخصومة، ونقف عند قولنا: القرآن كلام الله، وهذا فقط هو ما قال الله في قرآنه الكريم.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٢١