تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم، إذا كان القرآن كلاما أزليا هو صفة من صفات الله ترتب على ذلك جملة استحالات: أولها: أن الأمر لا قيمة له ما لم يصادف مأمورا، فلا يصح أن تصدر «أقيموا الصلاة» إلا إذا كان هناك مأمورون بالصلاة، ولم يكن في الأزل مأمورون مخاطبون، ومحال أن يكون المعدوم مأمورا، والأمر من غير مأمور، بل والكلام كله من غير مكلم «من أمحل ما ينسب إلى الحكيم».

ثانيها - أن الخطاب مع موسى عليه السلام غير الخطاب مع محمد عليه السلام، ومناهج الكلامين مع الرسولين مختلفة، ويستحيل أن يكون معنى واحد هو في نفسه كلام مع شخص على معان ومناهج، وكلام مع شخص آخر على معان ومناهج أخرى، ثم يكون الكلامان شيئا واحدا ومعنى واحدا؛ أضف إلى ذلك أن الخبرين عن أحوال الأمتين مختلفان لاختلاف حال الأمتين، فكيف يتصور أن تكون حالتان مختلفتان يخبر عنهما بخبر واحد؟! والقصة التي جرت ليوسف وأخوته غير القصة التي جرت لآدم ونوح وإبراهيم؛ وإذا اختلفت هذه الاختلافات استحال أن يكون الكلام صفة لله، وهو الواحد في ذاته وصفاته الذي لا يختلف ولا يطرأ عليه اختلاف.

ثالثها - أن المسلمين أجمعوا قبل ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام الله، واتفقوا على أنه سور وآيات وحروف منتظمة، وكلمات مجموعة وهي مقروءة مسموعة، ولها مفتتح ومختتم، وهو معجزة رسول الله، وأجمعت الأمة على أنه بين أيدينا نقرؤه بألسنتنا ونحسه بأيدينا، ونبصره بأعيننا ونسمعه بآذاننا، ومحال أن يكون هذا كله وصفا لصفة الله. فالكلام الأولى الذي هو صفة الله لا يوصف بمثل هذه الأوصاف.

هذه أدلتهم العقلية . ولهم بعد ذلك أدلة نقلية منها: (1)

أن الله تعالى يقول:

وإذ قال ربك للملائكة ، وإذ ظرف زمان ماض، فيكون قوله الواقع في هذا الظرف مختصا بزمان معين، والمختص بزمان محدث. (2)

يقول الله:

كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ، وهذا يدل على أن القرآن مركب من الآيات التي هي أجزاء متعاقبة فيكون حادثا. (3)

قوله تعالى:

حتى يسمع كلام الله ، والمسموع حادث لأنه لا يكون إلا حرفا وصوتا. (4)

أنه تعالى عبر عن القرآن بقوله:

إنا أنزلناه

ولا شك أنه لا إنزال في الأزل. (5)

أن القرآن نص على نسخ بعض الآيات بقوله:

ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ، ولا يتصور النسخ إلا في الحادث، لأن القديم ليس عرضة لذلك ... إلخ.

فقالوا إذ ا استحال أن يكون القرآن وكل الكتب المنزلة قديمة وجب أن نقول إنها مخلوقة لله، فكلام الله تعالى عبارة عن أصوات وحروف يخلقها الله في غيره فتصل إلى النبي عن طريق ملك ونحوه، كما قال تعالى:

وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ؛ فهذه ثلاث طرق في الكلام، أولاها: طريقة الوحي وهو الإلهام، والقذف في القلب كما أوحى إلى أم موسى؛ وثانيتها: أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام من غير أن يبصر السامع من يكلمه، كما كلم موسى، وكما كلم الملائكة؛ وثالثتها: أن يرسل الأنبياء والرسل يكلمون أممهم عن الله.

16

قالوا والقرآن نوع من الكلام الذي يخلقه الله، وإنما سمي كلام الله لأنه خلق الله من غير واسطة، وهذا هو الفرق بينه وبين كلامنا، فكلامنا وألفاظنا تنسب إلينا، وأما القرآن فخلق الله مباشرة، والحروف التي نكتبها في المصحف أو ننطق بها من صنعنا، وإنما وجب لها التعظيم لأنها دالة على المخلوق لله - وإذا معنى كون الله متكلما أنه خالق الكلام وفاعله، فإن الكلام ليس شيئا أكثر من أن يفعل المتكلم فعلا يدل به المخاطب على العلم الذي في نفسه؛ فالله بهذا المعنى متكلم، أي فاعل ما يدل به المخاطب على ما يريد، والمفعول والمجعول مخلوق.

وكأن الزمخشري أراد أن يجعل كل هذه الأدلة ويشير إليها في خطبة تفسيره «للكشاف» إذ يقول: «الحمد لله الذي أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما، ونزله بحسب المصالح منجما، وجعله بالتحميد مفتتحا، وبالاستعاذة مختتما، وأوحاه على قسمين متشابها ومحكما، وفصله سورا، وسوره آيات، وميز بينهن بفصول وغايات. وما هي إلا صفات مبتدع، وسمات منشأ مخترع؛ فسبحان من استأثر بالأولية والقدم، ووسم كل شيء سواه بالحدوث عن العدم، أنشأه كتابا ساطعا تبيانه، قاطعا برهانه، وحيا ناطقا ببينات وحجج، قرآنا عربيا غير ذي عوج» إلخ. •••

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٢٠