وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ؛ وعلم الله تعالى ينكشف به الشيء على ما هو عليه، فهو عالم بالشيء قبل أن يكون على أنه سيكون، وعالم بالشيء إذا كان على أنه كان، وعالم بالشيء إذا عدم على أنه عدم؛ فكيف يتغير علم الله بتغير الموجودات، والعلم المغير بتغير الحوادث علم محدث، والله تعالى لا يقوم به محدث، لأن ما يتعلق به المحدث محدث؟
وقد سلك المعتزلة هم ومن بعدهم مسالك مختلفة للإجابة على هذا السؤال العسير الذي حير العقول، وكان للمتكلمين مناح في الإجابة، وللفلاسفة من المسلمين مناح أخرى.
فمن المتكلمين من قال: إن من المسلم به أن علمنا بأن زيدا سيقدم، غير علمنا بأنه قدم فعلا، وتلك التفرقة ترجع إلى تجدد العلم، ولكن ذلك في حق الإنسان، فهو الذي يتجدد علمه لأن مصدر العلم وهو الإحساس والإدراك متجدد، أما في حق الله فلا تفرقة عنده بين مقدر سيكون، ومحقق قد كان، ومنجز حدث، ومتوقع سيحدث؛ بل المعلومات كلها بالنسبة له على حال واحدة.
ومن المعتزلة من قال: إن الله تعالى عالم بذاته بكل ما كان وما سيكون، وكل المعلومات معلومات عنده بعلم واحد، والاختلاف بين ما سيكون وما كان يرجع إلى الاختلاف في الأشياء نفسها لا في علم الله.
وقال بعض المتكلمين: إن الذي أوجب اختلاف علمنا بما سيكون وما كان يرجع إلى تغيير الأزمنة والأمكنة، فلما لم يكن الله مكانيا كانت نسبته إلى جميع الممكنات على السواء، فليس فيها بالقياس إليه قريب وبعيد، كذلك لما لم يكن الله زمانيا لم يتصف الزمان - بالقياس إليه - بمضي ولا استقبال ولا حضور، بل كانت نسبته إلى جميع الأزمنة سواء، فالموجودات من الأزل إلى الأبد معلومة له. كل في وقته، وليس في علمه كان وكائن وسيكون، بل هو عالم لا من حيث دخول الزمان فيها، ومثل هذا العلم يكون ثابتا مستمرا لا يتغير أصلا؛ فعلم الله بالأشياء إذا تجرد عن الزمان والمكان لم يكن فيه تقدم ولا تأخر ولا تغير، بل هو علم شامل واسع، وإنما لم تحصل في ذهننا كذلك لقصور علمنا وعدم إحاطته وحدوده بالزمان والمكان. ومثل ذلك مثل شيء ملون بألوان مختلفة وقد سارت عليه نملة، فما واجه حدقتها من الألوان تحسبه قد حدث من عدم، ومازال عن مواجهتها تظنه قد عدم، وما لم يواجه حدقتها تظنه لم يوجد، مع أن الألوان بأسرها موجودة بالفعل، والإنسان المشرف عليه يبصر جميع تلك الألوان دفعة واحدة من غير ترتيب، فنسبة الزمان - وما قارنه - إلينا كنسبة ذلك الملون إلى النملة.
15
ولسنا نريد أن نبين هنا الآراء المختلفة في هذا الموضوع، فهي مستوفاة في كتب علم الكلام، وإنما سقنا هذا القدر لندل به على ما أثار المعتزلة من مسائل، وكيف اتجهوا في حلها، وكيف شغلت العقول من بعدهم. •••
وكان طبيعيا بعد ما أثيرت هذه المسائل أن تثار مسألة تتصل بها أشد الاتصال، وهي مسألة كلام الله وخلق القرآن، وهي أبرز شيء كان في تاريخ المعتزلة لما اتصل بها من أحداث تاريخية واجتماعية وسياسية.
والآن نبدأ بشرح وجهة نظر المعتزلة في هذه المسألة من الوجهة العلمية ونترك تاريخها وأحداثها عند الكلام في تاريخها السياسي:
قالوا إنه ثبت بالبرهان أن الله - ذاته وصفاته - وحدة لا تقبل التجزئة بحال من الأحوال، وثبت بالبرهان أن ذات الله وصفاته لا يلحقها تغير ولا تقوم بها المحدثات - (وقد تقدم برهانهم على هذين الأصلين) - وقد رأينا الله يسند إلى نفسه الكلام فقال:
وكلم الله موسى تكليما ، وسمي القرآن كلام الله في قوله تعالى:
وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ، فما معنى وصف الله بالمتكلم، ووصف القرآن بأنه كلام الله؟
قالت المعتزلة : إذا كان الله وصفاته وحدة لا تقبل التغيير فمحال أن يكون القرآن كلام الله على معنى أنه صفة من صفاته، لأنه لو كان كذلك لكان هو وذاته وبقية صفاته شيئا واحدا، ونحن نرى أن في القرآن أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ووعدا ووعيدا، فهذه حقائق مختلفة، وخصائص متباينة، ومن المحال أن يكون «الواحد» متنوعا إلى خواص مختلفة، وهذه الخواص قد تتضاد كالذي بين الأمر والنهي.