تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما فسر المعتزلة التوحيد بالمعنى الذي ذكرنا كانوا مضطرين أن يقولوا إن ذات الله وصفاته شيء واحد، فالله حي عالم قادر بذاته لا بعلم وقدرة وحياة زائدة على ذاته، لأنه لو كان عالما بعلم زائد على ذاته، وحيا بحياة زائدة على ذاته كما هو الحال في الإنسان، للزم أن يكون هناك صفة وموصوف، وحامل ومحمول، وهذه هي حالة الأجسام، والله منزه عن الجسمية. ولو قلنا إن كل صفة قائمة بنفسها لتعددت القدماء، وبعبارة أخرى لتعددت الآلهة.

ثم اختلفت المعتزلة فيما بينهم في تفسير هذا الأصل، فكان أبو الهذيل العلاف يقول: إنه عالم بعلم هو هو، وقادر بقدرة هي هو، وحي بحياة هي هو؛ فالعلم والقدرة والحياة هي نفس ذاته، وإنما اختلف التعبير لغرض، فإذا قلت «عالم» أثبت لله علما هو ذاته ونفيت عن ذاته الجهل، ودللت على أن هناك معلومات منكشفة لذاته، وإذا قلت «قادر» أثبت لله قدرة هي ذاته ونفيت عن ذاته العجز، ودللت على أن هناك مقدورات له، وهكذا.

ويفهم من قول النظام، أن صفات الله من حياة وقدرة وعلم وإرادة إلخ، إنما هي كذلك صفات سلبية لا تقتضي للذات شيئا زائدا عليها؛ فالعلم معناه نفي الجهل عن ذاته، ومعنى «عالم» أن ذاته ليست بجاهلة، ومعنى «قادر» نفي العجز، ومعنى «الحياة» نفي الموت وهكذا؛ وتعددت الصفات لاختلاف ما ينفي عن الذات، أما الذات نفسها فواحدة لا تعدد فيها، ولا تلحقها صفات وجودية.

وقال بعض المعتزلة: إن هذه الأسماء والصفات: كقادر وعالم وحي ومريد، ليس القصد منها إثبات صفة لله زائدة على ذاته، ولكن القصد إفادة الناس معاني تدل عليها؛ فإذا قلنا عالم أفدناك علما بناحية أنه لا يجهل، وأكذبنا من زعم أنه تعالى جاهل؛ وإذا قلنا إنه قادر أفدناك علما بناحية أنه لا يجوز أن يكون عاجزا، وأكذبنا من زعم أنه عاجز ، وهكذا.

12

وهذه التفسيرات كما ترى، تفسيرات متقاربة تختلف شكلا وتتحد جوهرا، وتلتقي في إثبات أن لا شيء غير الذات، وأن الصفات تختلف باختلاف إدراكاتنا نحن لمعاني ذاته.

ولما وصل المعتزلة إلى هذا الحد من قولهم أثاروا مسائل حول الصفات لا حصر لها كان يسلم بعضها إلى بعض.

فأثاروا حول قدرة الله هذا السؤال: هل يقدر الله على الظلم؟ وهل يقدر أن يفني الجنة والنار وأهلهما أو يميتهم بعد ما أخبر عن بقائهم وحياتهم؟ وهل يقدر الله أن يترك ما يعلم أن فعله أصلح لخلقه من تركه؟ فكان النظام وأتباعه يقولون إن ذلك محال، فهو لا يقدر على الظلم «لأن الظلم لا يقع إلا من ذي حاجة حاملة على ارتكابه، أو جاهل بقبحه وعاقبته» وتعالى الله عن ذلك، و«وصف الله جل وعلا بأنه يقدر أن يفني الجنة والنار وأهلهما أو يميتهم بعد ما أخبر عن بقائهم وحياتهم محال لا وجه له».

13

وكان يقول: «إن الظلم والكذب لا يقعان إلا من جسم ذي آفة، فالواصف لله تعالى بقدرته عليهما قد وصفه بأنه جسم ذو آفة، لأن القادر على شيء غير محال وقوعه منه، فلو وقعا منه لدل وقوعهما منه على أنه جسم ذو آفة».

14

وكذلك أثاروا مسألة من أهم المسائل وأعقدها، كان الفلاسفة اليونانيون قبلهم تكلموا فيها، فأثارها المعتزلة على نمطهم، وأجابوا عنها في حدود إيمانهم.

تلك هي أنهم قالوا: إذ ثبت أن الله قادر، عالم، محيط، وأن ذات الله وصفاته لا يلحقهما تغير، لأن التغير صفة المحدثات، والله منزه عن ذلك، فإذا كان الشيء يوجد وقد كان غير موجود، ويعدم وقد كان موجودا، وقدرة الله وإرادته هما اللتان تولتا ذلك فأوجدتا الشيء بعد أن لم يكن، وأعدمتاه بعد أن كانت؛ فكيف تتعلق القدرة الإلهية القديمة بالشيء الحادث فتوجده، ولم أوجدته في هذه اللحظة دون غيرها وليس زمن أولى من زمن؟ فمباشرة القدرة لشيء بعد أن كانت لا تباشره تغير في القدرة، وقد ثبت أن الله لا يلحقه تغير ما، إذ ذلك - بلا شك - شأن القديم، وكذلك القول في الإرادة. ومثل ذلك يقال في العلم؛ فالعلم هو انكشاف المعلوم على ما هو عليه، والمعلوم يتغير من حين لآخر؟ فورقة الشجرة تسقط بعد أن كانت غير ساقطة، والرطب يتحول يابسا، والحي ميتا؛ والله يقول:

ضحى الإسلام · الصفحة ٣١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣١٨