لن تراني
يثبت نفي الرؤية مع تأكيده.
وقد ثار الجدل بين المعتزلة وخصومهم حول هذه الآية فقال خصومهم: إن الآية تدل على إمكان الرؤية لأن موسى سألها، ولو كانت مستحيلة لم يسألها، لأنه ليس أقل من المعتزلة معرفة - وأجاب المعتزلة إجابات كثيرة عن هذا السؤال، منها أن قوم موسى كانوا طلبوا أن يروا الله جهرة، فأنكر موسى عليهم وأعلمهم خطأهم، ونبههم على الحق فألحوا، فأراد أن يسمعوا النص من كلام الله فطلبه للرؤية ترجمة عن مقترحهم، وحكاية لقولهم، إلى آخر ما قالوا.
ومن أدلتهم أن الله عاقب قوم موسى الذين سألوه أن يريهم الله، فقال:
يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ، قالوا: «لو طلبوا جائزا لما سموا ظالمين، ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم أن يريه إحياء الموتى فلم يسمه ظالما ولا رماه بالصاعقة».
9
فلما خلصت لهم هذه العقيدة - عقيدة عدم إمكان الرؤية - وصح عندهم الدليل العقلي والنقلي على ذلك أولوا كل ما يظهر منه خلاف هذا من الآيات، وأنكروا كثيرا من الأحاديث التي تدل على الرؤية، فقالوا إنها أخبار آحاد، وأخبار الآحاد لا توجب العلم إذا عارضها ظاهر القرآن، مثل قوله تعالى:
لا تدركه الأبصار .
وتأولوا قوله تعالى:
وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة
بأنه «من قول الناس أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقع والرجاء؛ وسمعت مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقائلهم تقول: «عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم»، والمعنى أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا لا يخشون ولا يرجون إلى إياه.
10
قالوا فرؤية الله بالأبصار محال، إنما يراه المؤمنون ويعلمونه بقلوبهم.
11 (المثل الثاني) مسألة صفات الله - ذلك أن المعتزلة قالوا - مثل كل المسلمين - بإله واحد، ولكنهم فلسفوا الوحدانية، فقالوا إن معنى وحدانيته أن ليست ذاته تعالى مركبة من اجتماع أمور كثيرة، لأنه لو كان مركبا لافتقر تحققه إلى تحقق كل جزء من أجزائه، وكل جزء من أجزائه غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، والله منزه عن الافتقار إلى الغير، فحقيقته تعالى أحدية فردية لا كثرة فيها بوجه من الوجوه، فليست له كثرة مقدارية كالتي للأجسام، ولا كثرة معنوية كما لأشخاصنا المركبة من ماهية وتشخص، إنما هو واحد تام الأحادية، ليس ذا أجزاء مقدارية ولا أجزاء معنوية.
فلما فسروا التوحيد بهذا المعنى الدقيق ثارت أمامهم مشكلة أو أثاروها هم، وهي مسألة «صفات الله» هل هي عين ذاته أو غير ذاته، لما يتصل من ذلك بمعنى التوحيد الذي قرروه.
وهي مسألة لم تثر في الإسلام من قبلهم، فلم يذكر في القرآن ولا الحديث الصحيح كلمة (صفات الله) ولم يعرف ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين، إنما ورد قوله تعالى:
سبحان ربك رب العزة عما يصفون
ونحوه، حتى جاء المعتزلة فوضعوا مسألة (صفات الله) هذا الوضع، وشغلت حيزا كبيرا في علم الكلام، وأثير حولها من الجدل ما جعلها في الصف الأول من المسائل الكلامية.
ذلك أن القرآن صرح بأوصاف الله في مواضع متفرقة؛ وهذه الأوصاف تنحصر في سبع: العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. فتساءل المعتزلة بعد تقريرهم التوحيد بالمعنى الذي شرحناه: هل هذه الصفات هي الذات نفسها أم هي زائدة عن الذات؟ وبعبارة أخرى: هل هذه الصفات لا توجب معنى جديدا خلاف الذات، أو توجب معنى جديدا غير الذات؟ فهناك صفات سلبية لفظا ومعنى لا تثبت شيئا إيجابيا مثل: (ليس كمثله شيء)؛ وهناك صفات إيجابية لفظا سلبية معنى، وهي كذلك لا تثبت شيئا إيجابيا، كالوحدانية والقدم، فمعنى الوحدانية عدم الشريك، ومعنى القدم انعدام الأولية، وليست هذه هي محل نظر المعتزلة؛ وهناك صفات إيجابية لفظا ومعنى؛ كالإرادة والقدرة والعلم، فهل هي تثبت شيئا زائدا عن الذات؟ وهل الله عالم بعلم زائد عن الذات، وقادر بقدرة زائدة عن الذات، وحي بحياة زائدة عن الذات؟ وهكذا.