3
فترى من هذا أنهم حللوا التنزيه تحليلا فلسفيا بما أبانوا من صفات الأ سلوب، وأوضحوا معنى التوحيد في جلاء كما يدل عليه العقل، وشرحوا قوله تعالى:
ليس كمثله شيء
أقصى شرح وأعمقه. وكان طبيعيا بعد ذلك أن يقفوا عند الآيات الأخرى ويؤولونها؛ فقالوا في قوله تعالى:
وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء
أن معنى قول اليهود يد الله مغلولة وصفه بالبخل، وقوله:
بل يداه مبسوطتان
تعبير مجازي «يدل على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه، وذلك أن غاية ما يبذله السخي بما له من نفسه أن يعطي بيديه جميعا، فبني المجاز على ذلك».
4
وقالوا في قوله تعالى:
الرحمن على العرش استوى : «لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يردف الملك جعلوه كناية عن الملك؛ فقالوا فلان على العرش، يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير البتة، وقالوه أيضا لشهرته في ذلك المعنى ومساواته ملك في مؤداه، وإن كان أشرح وأبسط وأدل على صورة الأمر».
5
ويقولون في قوله تعالى:
ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام : «وجه الله ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات، ومساكين مكة يقولون أين وجه عربي كريم ينقذني من الهوان».
6
ويقولون في قوله تعالى:
يخافون ربهم من فوقهم : «إن علقت من فوقهم بيخافون. فمعناه يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن علقته بربهم - حالا منه - فمعناه يخافون ربهم عاليا لهم قاهرا؛ كقوله:
وهو القاهر فوق عباده ،
وإنا فوقهم قاهرون .
7
وقالوا في قوله:
وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم و جهركم
معناه المعبود فيها كقوله:
وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، أو هو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيها، أو هو الذي يقال له الله فيها لا يشرك به في هذا الاسم».
8
وهكذا لما خلص لهم دليل التنزيه على النحو الذي فسروه به أولوا كل الآيات الدالة على الجهة، وعلى الأعضاء، وعلى مشابهة المخلوقات، وفعلوا ذلك في جميع الآيات والأحاديث التي قد يخالف ظاهرها أصل التوحيد بالمعنى الذي شرحوه؛ فقالوا بنفي الجهة، لأن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية، فكل ما ورد مما ظاهره هذه الجهة يجب أن يؤول، مثل:
ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ، ومثل:
يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ، وقوله:
تعرج الملائكة والروح إليه ، وقوله:
أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور . وكذلك فعلوا في الآيات التي تدل على الجسمية كإثبات الوجه واليدين، فقالوا: إن الدليل على أنه تعالى ليس بجسم أن كل جسم محدث، لحاجة الجسم إلى الأعراض، كالطول والعرض والجهة وما إلى ذلك، وما لا يتعرى عن الحوادث حادث، ولذلك وجب تأويل الآيات التي تشعرنا بالجسمية. وفي تفسير الكشاف للزمخشري - وهو من أكبرعلماء المعتزلة - أوضح مثل لما ذهبوا إليه في التأويل؛ فقد وفي ذلك كله في الآيات التي من هذا القبيل.
وقد كانوا منطقيين مع أنفسهم، وساروا في تطبيق نظرياتهم إلى آخر حدود التطبيق، ولنذكر لك مثلين من أهم ما سلكوه في الاستنتاج: (المثل الأول) ما أثاروه من مسألة رؤية الله بالأبصار - فقد رأوا أنه إذا انتفت الجسمية انتفت الجهة، وإذا انتفت الجهة انتفت رؤية الناس له تعالى؛ إذ كل مرئي في جهة من الرائي، ولا بد للرؤية من شروط: كالضوء، وكون المبصر ذا لون إلخ، وذلك كله محال في جانب الله.
وبجانب هذه الأدلة العقلية استدلوا بأدلة نقلية مثل قوله تعالى:
لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار
ومثل قوله:
ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ، فقوله