تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للمعتزلة مبادئ يكادون يشتركون فيها جميعا، ومبادئ خاصة ببعض رؤسائهم؛ فالأولى هي التي نذكرها الآن، والأخرى نرجئها - غالبا - إلى ترجمة أصحابها؛ فأما المبادئ العامة للمعتزلة فيكاد المؤرخون يجمعون على أنها خمسة أصول: (1)

القول بالتوحيد. (2)

القول بالعدل. (3)

القول بالوعد والوعيد. (4)

القول بالمنزلة بين المنزلتين. (5)

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال الخياط (أحد زعماء المعتزلة في القرن الثالث): «وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإذا كملت فيه هذه الخصال فهو معتزلي».

1

ومثل ذلك ما قاله المسعودي في «مروج الذهب»: «كان يزيد الناقص يذهب إلى قوله المعتزلة وما يذهبون إليه في الأصول الخمسة من التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والأسماء والأحكام - وهو القول بالمنزلة بين المنزلتين - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

2

ولنوضح الآن نظرهم في كل أصل من هذه الأصول: (1-1) التوحيد

وقد عد هذا المبدأ من أهم مبادئ المعتزلة، لأنهم ذهبوا في تفسيره تفسيرا خاصا، وبلغوا في تحليله وفلسفته أقصى حد، فمن ثم نسب إليهم خاصة، وإن كان المسلمون جميعا يمتازون بالتوحيد، وباعتقاد أن «لا إله إلا الله وحده لا شريك له».

ذلك أن المعتزلة رأوا أن في القرآن آيات كثيرة تدل على التنزيه من مثل قوله تعالى:

ليس كمثله شيء ، وآيات ظاهرها يدل على التجسيم من مثل قوله تعالى:

يد الله فوق أيديهم

ورأوا آيات تدل على أنه تعالى ليس في جهة معينة مثل قوله:

ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ، وآيات ظاهرها الجهة مثل قوله:

ثم استوى على العرش ، و

أأمنتم من في السماء .

وكان كثير من علماء المسلمين في ذلك العصر يؤمنون بالتنزيه إيمانا إجماليا، ويمسكون عن الكلام في الآيات الأخرى كآية الاستواء على العرش، والوجه، واليدين، والجهة، ويقولون إننا نؤمن بوجود الله ووحدانيته، ولا نذهب وراء ذلك، لأنه لا يجب علينا أن نعرفه، وإنما يجب علينا أن نؤمن به كما ورد، وإننا إن دخلنا في تفصيل ذلك وتأويله كان تأويلنا قولنا لا قول الله، وهو عرضة للخطأ، فيجب أن نتحرز منه. وقد نقل عن السلف كثير من هذه الأقوال التي يتحرجون فيها من إبداء آرائهم، نقلنا بعضها قبل.

أما المعتزلة فكانوا أجرأ من هؤلاء، فقالوا: إننا نستمسك بآيات التنزيه ونشرحها ونوضحها ونحللها، ونتعرض للآيات الأخرى من مثل الاستواء، والوجه واليدين، ونتأولها تأويلا يتفق والتنزيه، ولا نعكس، لأن الإسلام دين توحيد وتنزيه، ويكاد المسلمون يجمعون على هذا التنزيه، فيجب أن نحمل ما ظاهره يخالف ذلك على ما هو صريح ومجمع عليه، ولا نكتفي بالإيمان الغامض بالآيات المتشابهة، لأن العقل لا يقنع بالغموض، وله حق الشرح والتأويل والتوفيق بين الآيات، فهذا بالعلماء أشبه؛ ومن ثم بسطوا الرأي في التوحيد والتنزيه، فقالوا: «إن الله واحد ليس كمثله شيء، وليس بجسم ولا شبح، ولا جثة ولا صورة، ولا لحم ولا دم، ولا شخص ولا جوهر ولا عرض، ولا بذي لون، ولا طعم، ولا رائحة، ولا مجسة، ولا بذي حرارة، ولا برودة، ولا رطوبة، ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق، ولا اجتماع ولا افتراق، ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء، وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين وشمال، وأمام وخلف، وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الجلوس في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدثهم، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات، وليس بمحدود ولا والد ولا مولود، ولا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الحواس، ولا يقاس بالناس، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه، ولا تجري عليه الآفات، ولا تحل به العاهات، وكل ما يخطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له، لم يزل أولا سابقا متقدما للمحدثات، موجودا قبل المخلوقات، ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك، لا تراه العيون ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأوهام، ولا يسمع بالأسماع، شيء لا كالأشياء، عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الأحياء، وأنه القديم وحده ولا قديم غيره، ولا إله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه، ولا معين على إنشاء ما أنشأ وخلق ما خلق، ولم يخلق الخلق على مثال سبق، وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر ولا بأصعب عليه منه، ولا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضار، ولا يناله السرور واللذات، ولا يصل إليه الأذى والآلام» إلخ.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣١٥