ولعل هذا هو ما يقصده ابن خلدون من قوله: «إن نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته، ونظر المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجد. وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية».
7
هذا هو الأصل، وإن كان المتكلمون بعد أن شاعت الفلسفة في المملكة الإسلامية تأثروا بالفلاسفة في بحوثهم ومناهجهم، ونقلوا في علم الكلام بعض أقوال الفلاسفة، وأخذوا يردون عليهم كأنهم من أرباب العقائد كما فعل الغزالي في كتابه «الاقتصاد».
وكذلك الفلاسفة المسلمون تأثروا بالكلام والمتكلمين، فاستعملوا بعض اصطلاحاتهم؛ وأكثر من ذلك أنهم سلموا بأشياء دينية سمعية لا يمكن إقامة البرهان العقلي على صحتها أو على بطلانها كما قال ابن سينا: «وأما المعاد الجسماني وأحواله فلا يمكن إدراكه بالبرهان ... وقد بسطته لنا الشريعة الحقة المحمدية فلينظر فيها، ولنرجع في أحواله إليها».
8 (2)
أن المتكلمين وقفوا أكثر ما وقفوا للدفاع عن عقيدتهم، ودحض حجج خصومهم، سواء كان هؤلاء الخصوم إسلاميين أم غير إسلاميين، فأكثروا من حكاية الأقوال والردعليها؛ والفلاسفة وخاصة الأولين منهم أكثر ما وقفوا عند تقرير الحقائق، أو على الأقل ما اعتقدوه حقائق، وبرهنوا عليها من غير دخول كثير في حكاية الأقوال المخالفة والرد عليها. ولهذا كان الفلاسفة يرمون المتكلمين بأنهم أهل سفسطة وجدل. قال أبو حيان التوحيدي: «قلت لأبي سليمان: ما الفرق بين طريقة المتكلمين والفلاسفة؟ فقال: ما هو ظاهر لكل تمييز وعقل وفهم، طريقتهم (يعني المتكلمين) مؤسسة على مكايلة اللفظ باللفظ، وموازنة الشيء بالشيء ... والاعتماد على الجدل ... وكل ذلك يتعلق بالمغالطة والتدافع وإسكات الخصم بما اتفق»
9
إلخ.
ولاختلاف المنهجين كان بين المتكلمين والفلاسفة في تاريخ الإسلام خصومة رغم ما استفاد بعض من بعض، كالخصومة بين ابن رشد والمتكلمين، وبين الغزالي والفلاسفة. •••
ومما يتصل بهذا أن هناك فرقا بين علم الكلام والفلسفة الإسلامية من حيث نشوؤهما؛ فالكلام في الإسلام نشأ تدريجيا ونشأ مسائل متفرقة، تثير فرقة مسألة فيبدي فيها قوم رأيا آخر، ويكونون فرقة وهكذا، كالذي حدث في مسألة مرتكب الكبيرة أكافر أم مؤمن؟ تقول الخوارج إنه كافر، فيأتي قوم ويقولون هو في منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر، وتتكون حول هذا الرأي الأخير فرقة الاعتزال. وهكذا كانت المسائل المتفرقة تثار، ويتكون المذهب تدريجيا، وكلما تقدم العصر أثيرت مسائل جديدة، ووضعت لها حلول جديدة، وهذا شأن كل العلوم الإسلامية من نحو وفقه وبلاغة. أما الفلسفة في الإسلام فلم تتدرج هذا التدرج لأنها قطعت شوط النشوء عند اليونان، ثم نقلت كاملة أو شبه كاملة، والجديد فيها إنما كان اشتغال المسلمين بها وتفهمها وشرحها والتعليق عليها، وإبداء بعض الآراء فيها، والتوفيق بين بعض قضاياها والقضايا الإسلامية. وهذا ماجعلنا نعد علم الكلام علما إسلاميا، وإن كان فيه بعض المسائل الفلسفية اليونانية، على حين أنا لا نستطيع أن نسمي الفلسفة التي اشتغل بها الكندي والفارابي وابن سينا فلسفة إسلامية إلا بقدر من التجوز. •••
والآن نعرض لأهم الفرق الإسلامية في العصر العباسي، فنشرح ما حدث فيها بعد أن أبنا نشأتها في العصر الأموي في الجزء الأول من «فجر الإسلام»، ونبين أهم أقوالها، ونترجم لأشهر رجالها.
الفصل الأول
| المعتزلة
وقد بدأنا بها لأنها أهم فرقة يدين لها علم الكلام مما أثارت من مسائل، وبسطت من شرح، ووضعت من أصول؛ ولنقسم الكلام فيها إلى قسمين: قسم يتضمن أهم تعاليمهم، وقسم يتضمن تاريخهم السياسي؛ فإذا ذكرنا تعاليمهم فصلنا بعض التفصيل آراءهم وأدلتهم ووجهة نظرهم، وألممنا إلمامة خفيفة بموقف خصومهم منهم؛ وإذا ذكرنا تاريخهم السياسي عرضنا لأشهر رجالهم، والمسائل الفرعية التي قال بها كل منهم، ولموقفهم من الدولة وموقف الدولة منهم، وموقفهم من الرأي العام وموقف الرأي العام منهم، وأهم الأحداث التي حدثت منهم ولهم، وهكذا. (1) تعاليمهم