تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه ناحية، والناحية الأخرى أنهم لم يقنعوا - كما قنع غيرهم - بالإيمان بالمتشابهات جملة من غير تفصيل؛ فجمعوا الآيات التي قد يظهر بينها خلاف كالجبر والاختيار، وكالآيات التي قد يظهر منها جسمية الله تعالى وسلطوا عليهاعقولهم، وجرؤوا على ما لم يجرؤ عليه غيرهم، فأداهم النظر في كل مسألة إلى رأي، فإذا وصلوا إليه عمدوا إلى الآيات التي يظهر أنها تخالف الأولى

فأولوها ، فكان

التأويل

من أهم مظاهر المتكلمين فإذا أداهم البحث إلى أن الإنسان مختار أولوا آيات الجبر؛ وإن أداهم البحث إلى أن الله منزه عن الجهة والمكان أولوا الآيات التي تشعر بأنه تعالى في السماء، وأولو الاستواء على العرش. وإذا أداهم البحث إلى أن نفي الجهة عن الله يستلزم أن أعين الناس لا يمكن أن تراه تعالى، لأنها ركبت تركيبا بحيث لا ترى إلا ما كان في وجهه، أولوا الأخبار الواردة في رؤية الناس لله، وهكذا؛ فالتأويل عنصر من أهم عناصر، وأكبر مميز لهم عن السلف.

وطبيعي أن هذا المنحى في التأويل، وإعطاء العقل حريته في البحث والنظر، واتجاهه إلى أية جهة يراها، يستلزم اختلافا كبيرا؛ فإن أدى النظر قوما إلى الاختيار، وتأويل آيات الجبر، قد يؤدي النظر غيرهم إلى إثبات الجبر وتأويل آيات الاختيار.

وهذان الأمران - أعني الاعتماد في البراهين على العقليات والتأويل - هما اللذان يعللان ما استفاض في عصور المتكلمين من خلاف ومن أقوال لا عداد لها، ومن براهين لا حصر لها، مما لم يكن معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصدر الأول.

6

ويظهر أن الذي دعا إلى هذا التحول أمران: الأول ما أشرنا إليه قبل من أن أوائل المتكلمين قد دخلوا في حوار عميق مع أقوام من الملل الأخرى من يهودية ونصرانية ووثنية، وكانت قد تفلسفت عقولهم، وهؤلاء لم يكفهم في الإقناع أن تذكر لهم آية من القرآن أو الحديث، بل يريدون الرجوع على قضايا تستند على القدر المشترك من العقل، فاضطر ذلك المتكلمين أن يدخلوا في منهجهم ويسلكوا سبيلهم، ويؤلفوا الأدلة العقلية على وجود الله، ويؤلفوا - كمافعل الجاحظ - الكتب في إثبات النبوة على العموم، وفي إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم على الخصوص، مما يدل على وجود قوم بينهم كانوا ينكرون الألوهية يسمون الطبيعيين أو الدهريين، وقوم لا يعترفون بنبوة ما، وقوم يعترفون بالنبوة ولكن يجحدون نبوة محمد

صلى الله عليه وسلم ؛ فدخلوا معهم في جدال حاد، وفلسفوا أدلتهم كما فلسف المخالفون أدلتهم.

والسبب الثاني: ما في طبيعة كل أمة تتمدين من انقسام إلى محافظين وأحرار، في السياسة والعلم والفلسفة والدين؛ فالمحافظون في الدين رأوا الوقوف عند النص وعدم الخروج قيد شعرة عما صرح به الدين، والنطق بما نطق به في حدود ألفاظه، والسكوت عما سكت عنه؛ والأحرار لا يريدون أن يقفوا عند النصوص، بل يعملون فيها عقلهم، ويصرحون بما يؤديهم إليه رأيهم، ويؤولون ما يخالفه؛ فكان الانقسام بينهم في أصول الدين شبيها بالخلاف بينهم في الفروع من أهل الحديث وهم يمثلون المحافظين، وأهل الرأي ويمثلون الأحرار.

هذا - في إجمال - وجه الخلاف بين منهج الأدلة عند المتكلمين، ومنهج الأدلة في القرآن الكريم.

أما الخلاف بين منهج الفلاسفة في الإلهيات ومنهج المتكلمين، فيرجع إلى أمور أهمها: (1)

أن المتكلمين اعتقدوا قواعد الإيمان، وأقروا بصحتها، وآمنوا بها، ثم اتخذوا أدلتهم العقلية للبرهنة عليها، فهم يبرهنون عليها عقليا كما برهن القرآن عليها وجدانيا؛ أما الفلاسفة فهم يبحثون المسائل بحثا مجردا، ويفرضون أن عقولهم خالية من مؤثرات ومن اعتقادات، ثم يبدأون النظر منتظرين ما يؤدي إليه البرهان، سائرين خطوة خطوة حتى يصلوا إلى النتيجة كائنة ما كانت فيعتقدونها؛ هذا هو الغرض من الفلسفة والعمدة فيها. نعم إن التجرد من الإلف والعادة والنشأة والبيئة لا يمكن أن يحصل على أتمه، وقد حدث فعلا أن تأثر فلاسفة اليونان بالوثنية، وفلاسفة النصارى واليهود بالنصرانية واليهودية، وفلاسفة المسلمين بالإسلام؛ ولكن - على كل حال - منهج بحثهم وعماده هو هذا النظر في المسائل كما يدل عليه البرهان، ومنهج المتكلمين إقامة البرهان بعد أن آمنوا بالقواعد الأساسية للإسلام. فموقف المتكلمين موقف «محام» مخلص اعتقد صحة قضية وتولى الدفاع عنها، يصوغ لها من الحجج والأدلة ما يؤديها ويثبت ما اعتقد من صحتها؛ وموقف الفيلسوف موقف قاض عادل تعرض عليه قضية لا يكون فيها رأيا حتى يسمع حجج هؤلاء وهؤلاء، ويزنها كلها بميزان دقيق من غير تحيز، ثم يكون فيها رأيه، ويصدر حكمه.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣١٣