تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالقرآن لا يؤلف برهانه تأليف المنطقي من مقدمة صغرى وكبرى ونتيجة، ولا يتعرض لألفاظ الفلسفة من جوهر وعرض ونحوهما، ولا يحددهما ولا يثير المشاكل العقلية ويفصلها ويبني عليها، لأن الدين لم يأت للفلاسفة وحدهم ولا للعلماء وحدهم، فالفلسفة والعلم حظ أقل عدد من الناس؛ إنما اعتمد - كما أسلفنا - على الفطرة والعاطفة، وهما قدر مشترك بين الناس جميعا، فمن ثم كان ممن آمن علماء وجهلاء وفلاسفة وغيرهم، ولو اتبع الدين سبيل «علم المنطق» ما آمن إلا القليل.

ولكن جاء في القرآن آيات فيها غموض على الباحث؛ فآيات تدل على الجبر، وآيات تدل على الاختيار، فكيف التوفيق بينها؟ وما الرأي الحق الذي ترمي إليه هذه الآيات؟ وجاءت تثبت لله تعالى وجها ويدا، وتعبر عنه بأنه السماوات والأرض وتقول إنه في السماء

أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض ، وتذكر أن له تعالى عرشا وتقول:

وجاء ربك والملك صفا صفا

فكيف يتفق هذا وما ورد في القرآن من التنزيه؛ ومن قوله:

ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدني من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا

إلى غير ذلك. وإذا كان العقل يثبت أنه تعالى ليس بجسم فكيف يمكن أن تفهم هذه الآيات؟ وهكذا وردت في القرآن آيات سميت «متشابهات» كانت مجال البحث والنظر.

أما الأولون من المسلمين فآمنوا بها وصدقوها من غير بحث كثير ولا جدال طويل، وفهموا هذه الآيات فهما مجملا واكتفوا بهذا الفهم. وكان كثير من ذوي العقول الراجحة في العصر الأول يرى أن الدخول في تفصيل هذه المتشابهات والجدال فيها ليس من مصلحة المسلمين، ولا يستطيع فهمه جمهورهم، فأولى أن يكتفي فيها بالمعنى الإجمالي وإن غمض، وأن يكتفي العالم واسع النظر عميق الفكر بما يرشده إليه عقله لنفسه لا للجمهور، فقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الجارية التي كانت تعتقد أن الله في السماء، لأن عقلها لا يقوى على أكثر من ذلك. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟!». وجاء بعدهم قوم ساروا على هذا النحو؛ فقد روي عن الوليد بن مسلم أنه قال: «سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن الأخبار التي جاءت في الصفات (يعني صفات الله) فقالوا: «أمروها كما جاءت بلا كيف»؛ وسئل ربيعة الرأي من قوله تعالى:

الرحمن على العرش استوى

كيف استوى فقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق»؛ وروي عن مالك بن أنس أنه سئل: كيف استوى؟ فأطرق برأسه ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».

فهؤلاء رأوا الوقوف عند ما جاء في الدين من غير تفسير، لأحد سببين: إما لأن هذه البحوث مما لا تصلح للعامة،أو لأن ما يتعلق بالله وصفاته شيء وراء العقل لا يمكن أن يصل إليه الإنسان إلا بأن يقيس الله على نفسه، وذلك خطأ كبير؛ فالأولى أن نقف على ما ورد فيه النص من غير سؤال بكيف وأين؛ وقد استمرت هذه المدرسة إلى العصر العباسي وبعده، فكان زعيمهم في عهد العباسيين أحمد بن حنبل، وفي العصور بعده ابن تيمية، وهكذا.

أما طريقة المتكلمين وشيوخهم فتغاير هذين الأصلين؛ فهم آمنوا بالله وما جاء به رسوله، ثم أرادوا أن يبرهنوا على ذلك بالأدلة العقلية المنطقية، فنقلوا الوضع من فطرة وعاطفة ومخاطبة لهما بالنظر في آيات الله إلى دائرة العقل والنظر، ومن فن جميل إلى علم ومنطق، ومن قلب إلى رأس؛ فبدلا من أسلوب القرآن في نحو قوله:

أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟

وضعوا طريقتهم في حدوث العالم، واضطر بعضهم ذلك إلى القول بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ وإقامة الدليل على عدم حدوثها بنفسها إلى أن يصلوا إلى إثبات الله. وهكذا سلكوا هذا السبيل في إثبات وحدانيته وسائر صفاته تعالى، وكانت كل خطوة من هذه الخطوات تثير أسئلة وجدلا، وتفتح موضوعات جديدة، فساروا فيها إلى نهايتها.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣١٢