وهذا يسلمنا إلى التعرض لمسألة هامة، وهي أن للمتكلمين منهجا خاصا في البحث والتقرير والتدليل يخالف من جهة منهج القرآن الكريم والحديث وأقوال الصحابة، ويخالف من جهة أخرى منهج الفلاسفة في بحثهم وتقريرهم وتدليلهم، فمنهجهم يخالف منهج من قبلهم ومنهج من بعدهم؛ ولنشرح ذلك في إيجاز:
فأما مخالفتهم لمنهج القرآن، فذلك أن القرآن اعتمد في الدعوة على أساس فطري، فيكاد يكون كل إنسان مفطورا على الاعتقاد بوجود إله خلق العالم ودبره، ويكاد الناس بفطرتهم يجمعون على ذلك مهما اختلفت أسماء الله عندهم واختلفت صفاته؛ يستوي في ذلك الممعن في البداوة، والمغرق في الحضارة. وهذا ما يعجب له الباحث الاجتماعي، إذ يرى إجماع القبائل - حتى التي لم تتصل بغيرها أي اتصال، والتي لا تعرف من العالم إلا رقعتها من الأرض، وغطاءها من السماء - على إله خالق، إن اختلفوا فيه فخلاف في الأسماء أو الاختصاص؛ فالقرآن اعتمد على هذه الفطرة، وخاطب الناس بما يحيي هذه العاطفة وينميها ويقويها، ويصلح ما اعتورها من فساد الإشراك وما إليه، وأدار الدعوة على هذا الأساس؛ فالله تعالى خلق الإنسان وعني به وأحاطه ببيئته، ينتفع بها في تسيير شئونه من أرض وسماء، وليل ونهار، وماء وهواء، وشمس وقمر، وحيوان ونبات؛ وهو الذي خلق الإنسان، وخلق هذه الأشياء كلها، مما ندرك وما لا ندرك، وما نعلم وما لا نعلم، وهو واهب الوجود لها كلها، وواهب الحياة لما حيي منها، وواضع نظامها الذي لا تحيد عنه، وغيره لا يستطيع أن يخلق ولو ذبابا
إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ؛ ثم غذى هذه العاطفة الفطرية بطلب النظر في كل ما حولنا؛ فذلك يسلم إلى قوة في دين، وإيمان في يقين
فلينظر الإنسان إلي طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا ،
فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب ،
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ،
وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ،
تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ،
ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا .
وسلك في الدعوة إلى التوحيد هذا المسلك، فاستدل على ذلك بالمألوف من تنازع ذوي السلطة، وما يؤدي إليه النزاع من فساد
لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ،
ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ، كما استدل على ذلك بوحدة النظام ووحدة الخلق، وخضوع المخلوقات جميعا لنظام واحد
تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا . وهكذا سار أسلوب القرآن على هذا المنهج في إثبات قدرته وعلمه.
وهذا الأسلوب - كما ذكرنا - يساير الفطرة ويغذيها، ويشعر كل إنسان في أعماق نفسه بالاستجابة له والإصغاء إليه، حتى الملحد بعقله؛ وهو منهج يوافق العامة، وهم السواد الأعظم في كل أمة وكل جيل، كما يناسب الخاصة، وهم الأقلون دائما.
فنظرة العامي إلى قوله تعالى:
فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق
تثير إيمانا ساذجا بعجيب القدرة، كما أن نظرة «البيولوجي» (عالم الحياة) إلى منشأ الإنسان وخلقه تثير عجبه وإعجابه وحيرته دائما وإيمانه العميق إلا قليلا؛ ونظرة العامي إلى السماء وتلألؤ نجومها، وسطوع شموسها وأقمارها، تبعث عنده الإيمان بمدبر هذا الكون وعظمته؛ والفلكي بمعرفته الواسعة لحركات النجوم وسيرها ونظامها وخلقها وأبعادها أقدر على معرفة العظمة، وأشد إعجابا بخالقها ومدبرها. وهكذا الشأن في العامي والفسيولوجي، والعامي والسيكولوجي، والعامي والفيلسوف - كلهم صالح لأن يتأثر بهذا المنهج على اختلاف في استعدادهم ومداركهم، وحياة عواطفهم وحياة عقولهم.