تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وقد أدى هذا إلى أن يلجأ المعتزلة إلى مثل السلاح الذي لجأ إليه خصومهم - ومن هذا الاحتكاك بين المعتزلة وأمثالهم وبين الملل الأخرى نشأت بين المسلمين أقوال مختلفة، مثلنا لها من قبل،

3

فكان ذلك سببا من أسباب تضخم علم الكلام. (3)

وسبب ثالث نتج من السبب الثاني، وهو أن حاجة المتكلمين إلى الفلسفة لوقوفهم أمام خصومهم يجادلونهم بمثل حججهم، اضطرتهم إلى أن يقرأوا الفلسفة اليونانية وينتفعوا بالمنطق وباللاهوت اليونانيين؛ فنرى «النظام» يقرأ أرسطو ويرد عليه، وأبا الهذيل العلاف كذلك؛ ونرى كثيرا عن المعتزلة يتكلمون في الطفرة والتوالد والجوهر والعرض والجوهر الفرد، ونحو ذلك من المسائل التي تعد من صميم الفلسفة اليونانية وتدخل في بحوث المتكلمين.

فهذه الأسباب كلها من داخلية وخارجية هي التي كونت علم الكلام وجعلته فنا قائما بنفسه؛ فمن قال: إنه علم إسلامي بحت لم يتأثر أي أثر بفلسفة اليونان وسائر الأديان فقد أخطأ، واستعراض بسيط لموضوعات هذا العلم يكفي للرد عليه؛ ومن قال: إنه وليد الفلسفة اليونانية وحدها فقد أخطأ كذلك؛ لأن الإسلام هو أساسه، وهو محوره الذي يدور عليه، وكان استشهادهم بآيات القرآن والتعويل عليها فوق استشهادهم بالفلسفة اليونانية والتعويل عليها؛ فالحق أنه مزيج منهما، وشخصية المسلمين فيه أقوى من شخصيتهم في دراسة الفلسفة. •••

سمي هذا العلم الذي يبحث في العقائد بالأدلة العقلية والرد على المخالفين بعلم الكلام، وسمي المشتغلون به بالمتكلمين. وقد اختلفوا في سبب هذه التسمية؟ فقال بعضهم: إنه سمي علم الكلام، لأن أهم مسألة وقع فيها الخلاف في العصور الأولى مسألة كلام الله وخلق القرآن، فسمي العلم كله بأهم مسألة فيه، أو لأن مبناه

كلام صرف

في المناظرات على العقائد، وليس يرجع إلى عمل، أو لأنهم تكلموا حيث كان السلف يسكت عما تكلموا فيه، أو لأنه في طرق استدلاله على أصول الدين أشبه بالمنطق في تبيينه مسالك الحجة في الفلسفة، فوضع للأول اسم مرادف للثاني، فسمي كلاما مقابلة لكلمة «منطق»

4

إلى آخر ما قالوا.

والظاهر أن إطلاق هذا الاسم على هذا العلم كان في العصر العباسي، وعلى الأرجح في عصر المأمون، فقد رأينا أنه قبل ذلك كان يسمى البحث في مثل هذه الموضوع «الفقه في الدين» نظير «الفقه في العلم» وهو علم القانون، فقالوا «الفقه في الدين أفضل من الفقه في العلم»، وسمى أبو حنيفة كتابه في العقيدة «الفقه الأكبر». ويقول الشهرستاني: «ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين فسرت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج الكلام، وأفردتها فنا من فنون العلم، وسمتها

باسم الكلام »،

5

فعلى قوله يكون المعتزلة هم الذين سموا هذا العلم علم الكلام، وأن ذلك كان بعد أن نقلت إلى العربية كتب الفلسفة اليونانية أيام المأمون. •••

هؤلاء

المتكلمون

من معتزلة ومرجئة وشيعة وخوارج وغيرهم سبقوا

فلاسفة

الإسلام في الزمان، فأول فيلسوف إسلامي عرف هو الكندي (المتوفى نحو سنة 260ه)؛ وقبل ذلك بعشرات السنين كان المتكلمون أمثال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل العلاف، والنظام، يبحثون في مسائل الكلام، ويقررون قواعده، ويضعون مبادئه - وقبل ذلك كان الحسن البصري في العهد الأموي، وغيلان الدمشقي، وجهم بن صفوان، يتعرضون لمسائل كلامية.

نعم إن الفلسفة اليونانية وجدت قبل الكندي، فقد عرف منطق أرسطو بين المسلمين من عهد ابن المقفع، وتسربت مسائل فلسفية لاهوتية من نصارى النساطرة وأمثالهم، واطلع بعض متقدمي المعتزلة كالنظام والعلاف على بعض كتب الفلسفة، وترجمت كتب كثيرة في عهد المأمون وبعده، ولكن أول من اشتغل من المسلمين بالفلسفة كنظام كلي، وهضم قدرا صالحا من الفلسفة، واستحق أن يلقب فيلسوفا في الإسلام هو هذا الكندي؛ على حين أن الكلام كان قد نضج قبل ذلك وتكون، واستحق كثير لقب «المتكلمين» سواء أطلق عليهم هذا الاسم أم لا. •••

ضحى الإسلام · الصفحة ٣١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣١٠