تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأحيانا يحكى القول من أقوال الفرق المختلفة على أنه مذهب ديني بحت ومسألة عقيدة صرفة، مع أنا لو دققنا النظر في أصلها لوجدناه سياسيا: كمسألة مرتكب الكبيرة أكافر أم مؤمن، فالظاهر أن بحثها لم يكن بحثا لاهوتيا بحتا، وإنما منشؤها حكم الأحزاب السياسية بعضها على بعض. فالخوارج أثاروا المسألة من ناحية من اتبع عليا أكافر أم مؤمن، ومن اتبع معاوية أكافر أم مؤمن؟ كما نتساءل نحن اليوم: ما حكم من اتبع مذهب كذا السياسي أخائن لوطنه أم غير خائن؟ ولكن طبيعة الزمن صبغت المسألة هذه الصبغة الدينية، ثم تنوسي أصلها على مر الزمان ووضعت على أنها مسألة إيمانية مجردة من السياسة.

والسبب في هذا أن الدين الإسلامي كان في عنفوانه، وقد امتلأت نفوس الناس به وكان سبب سعادتهم الروحية والدينية والدنيوية وهم قريبو عهد بالنبوة، فنظرهم إلى المسائل - وخاصة الهامة منها - لابد أن يصطبغ اصطباغا قويا بالدين بحكم البيئة والجو. أضف إلى ذلك أنه كان في كل حرب مكرة مهرة، رأوا أن الناس في ذلك العصر لا يستهويهم القول بالصالح العام كما يستهويهم القول بأنهم في دفاعهم إنما يدافعون عن الدين، ويجردون السيف باسم الدين، فغرقت الأحزاب كلها في هذا البحر، واستعملت هذا السيف، وأثارت العواطف من هذا الباب، واستغلت عقول العلماء ليمدوها بما لديهم من علم في هذه السبل، وانضم إليهم من لا يخافون الله، فإذا لم يجدوا في الدين شيئا وضعوا له الحديث والأخبار الدينية - وبذلك كله كان الخلاف السياسي سببا كبيرا من أسباب الخلاف الديني، وسببا في العقائد والفرق؛ وإذا بنا نرى حزب علي فرقة دينية هي حزب الشيعة يرون أن الدين نص على علي وذريته، ونرى حزب الأمويين حزبا دينيا يرون أن إمامة معاوية وأولاده ثبتت بإتقان أهل الحل والعقد في الأمة؛ ونرى حزب الذين لا يرضون عن هؤلاء جميعا حزبا دينيا يسمى الخوارج، له عقائده وتعاليمه؛ ونرى حزب المحايدين حزبا دينيا يسمى المرجئة له خلافاته وآراؤه، وساقهم هذا الخلاف السياسي الذي اصطبغ بالدين إلى الخلاف في تعريف الإيمان والكفر والكبائر والصغائر وحكم مرتكب الكبيرة ونحو ذلك، وانساقوا بعد إلى الخلاف في الفروع حتى تكونت من كل منهم فرقة لها خلاف في الأصول والفروع على مر الزمان.

أما الأسباب الخارجية فأهمها: (1)

أن كثيرا ممن دخلوا في الإسلام بعد الفتح كانوا من ديانات مختلفة: يهودية ونصرانية ومانوية وزرادشتية وبراهمة وصابئة ودهريين إلخ. وكانوا قد نشأوا على تعاليم هذه الديانات وشبوا عليها، وكان ممن أسلم علماء في هذه الديانات، فلما اطمأنوا وهدأت نفوسهم، واستقرت على الدين الجديد وهو الإسلام، أخذوا يفكرون في تعاليم دينهم القديم، ويثيرون مسائل من مسائله، ويلبسونها لباس الإسلام، وهذا ما يعلل ما نرى في كتب الفرق من أقوال بعيدة كل البعد عن الإسلام؛ فنرى أحمد بن حائط يقول في التناسخ شبه ما يقول البراهمة، ويقول في المسيح (عليه السلام) قولا يشبه قول النصارى

1

إلى كثير من أمثال ذلك. (2)

وسبب آخر وهو أن الفرق الإسلامية الأولى وخاصة المعتزلة جعلت من أهم أغراضها الدعوة إلى الإسلام والرد على المخالفين كما سترى، وما كان يتسنى لهم الرد إلا بعد الاطلاع على أقوالهم وأدلتهم، فدفعهم ذلك إلى الإحاطة بالفرق الأجنبية وأقوالها وحججها؛ فأصبحت البلاد الإسلامية ساحة تعرض فيها كل الآراء وكل الديانات ويتجادل فيها، ولاشك أن الجدل يستدعي النظر والتفكير ، ويثير مسائل تستدعي التأمل، وتحمل كل فريق على الأخذ بما صح عنده من قول مخالفه.

وكانت بعض الأديان، وخاصة اليهودية والنصرانية، قد تسلحت بالفلسفة اليونانية، ففيلون اليهودي (25ق.م-50ب.م) كان من أوائل من فلسف اليهودية في الإسكندرية؛ وكليمان الإسكندري (ولد نحو سنة 150م)، وأوريجين (سنة 185-254م) من أوائل من مزجوا النصرانية. بالأفلاطونية الحديثة، وتبعهم كثير من النصارى النساطرة.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٠٩