تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لايؤمنون ، ويقول:

ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا ، ويقول:

تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب

فقالوا إن هذه الآيات وأمثالها. يدل ظاهرها على الجبر والتكليف بما لا يطاق؛ وقد أخبر الله في كل من الآيتين الأخيرتين عن شخص معين أنه لا يؤمن قط، ومع هذا كلفه الإيمان. ومن ناحية أخرى ملئ القرآن بالآيات الدالة على أنه لا مانع لأحد من الإيمان:

وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ، وقال تعالى:

رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ،

وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر

كيف التوفيق بين هذه الآيات جميعا؟ وهل الإنسان مجبر أو مختار؟ وهكذا جمعوا الآيات التي ظاهرها الخلاف، وأخذوا يبحثونها البحث العلمي الفلسفي، ويوازنون بينها، فأداهم ذلك إلى اختلاف طويل وجدال عميق سنعرض له بعد. وكل ما نريد الآن أن نبينه هو كيف أدى البحث العلمي في المسألة إلى الاختلاف في الحجج والاختلاف في المذاهب مما كان أساسا من أسس علم الكلام؟ (3)

المسائل السياسية - ولعل أوضح مثل لذلك مسألة الخلافة، فقد توفي رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ولم يعين من يخلفه، ولم ينص على نظام يتبع في اختيار الخليفة، بدليل أن المهاجرين والأنصار اختلفوا، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ورد عليهم المهاجرون.

وأسرع عمر فبايع أبا بكر وتبعه الناس، وعدت هذه غلطة وقى الله المسلمين شرها، لأن المسلمين لم يستشاروا فيمن يكون خليفة واتبع أبو بكر طريقة أخرى، فعهد بالخلافة إلى عمر، واتبعه عمر طريقة ثالثة.

ولو نظرنا إلى المسألة بعقلنا اليوم لقلنا إنها مسألة سياسية بحتة، فالدين لم يقيد المسلمين فيها بشكل خاص ولا بشكل معين، وكل ما قيدهم به أن ينظروا إلى الصالح العام، فأولوا الرأي في الأمة يضعون القوانين التي تكفل حسن الاختيار، وتحسم أسباب النزاع، ويختارون من يحقق المصلحة العامة، ويعزلون من لم يحققها، وينظرون في كل زمن بما يناسبه، ويتقدمون في فهم ذلك يتقدم الناس في فهم الحقوق والواجبات؛ فإذا حدث خلاف بين أولى الرأي فيما يتبع وفيمن يختار فالخلاف سياسي، كالذي يكون بين الأحزاب السياسية اليوم؛ فإذا رأى قوم استخلاف أبي بكر فلهم رأيهم السياسي وحججهم السياسية، وإذا رأى قوم استخلاف علي فكذلك، وإذا رأى قوم أن لا هذا ولا ذاك أدلوا برأيهم، فإذا استطاعوا أن يقنع بعضهم بعضا فيها، وإن حكموا السيف وانتصر الأقوى فشأنهم شأن الأحزاب يختلفون فيتقاتلون، ويفوز أحدهم بالحكم فيظل فيه حتى يغلبه آخر بالرأي العام أو السيف.

ولكن لم يكن الأمر على هذا النحو في ذلك العصر الذي نؤرخه، فلم تتخذ الأحزاب هذا الشكل السياسي البحت، بل اصطبغت صبغة دينية قوية، وصار كل حزب سياسي فرقة دينية، وصار الذين يقتتلون سياسيا يقتتلون دينيا، وبدل أن يسمى الحزب اسما سياسيا يدل على المبدأ السياسي الذي يدعو إليه تسمى اسما يدل على المذهب الديني: كشيعة وخوارج ومرجئة، وبدل أن يتحاجوا بما ينتج عن أعمالهم من مصالح ومفاسد تحاجوا بالكفر والإيمان والجنة والنار؛ فقد اختلف المسلمون بعد مقتل عثمان وانقسموا أحزابا، وهي في الواقع أحزاب سياسية قد يرى كل حزب أن الحق بجانبه، وأن خير الأمة يتحقق باستخلاف من يدعو إليه؛ فحزب يرى أن عليا أولى الناس بأن يكون خليفة المسلمين، وحزب يرى أن معاوية هو الذي يحقق هذا الغرض، وحزب يرى أن لا هذا ولا ذاك بل لا حاجة إلى الخلافة. فإن كان ولابد فأصلح الناس للناس ولو كان عبدا حبشيا، وحزب محايد لم يكون رأيا أو لم يشأ أن يدخل في الخلاف فيزيده قوة. فهو كما ترى خلاف كالذي يحصل بين الأمم اليوم؛ فيرى قوم أن مصلحة الأمة أن تكون ملكية يحكمها فلان، أو تكون جمهورية تحكم بشكل خاص، وحججهم في ذلك ما يذكرونه من الأدلة العقلية على هذا النوع أو ذاك؛ وقد لا يجدي العقل واللسان فيحكم الحديد والنار ولا يكون بينهم خلاف ديني في هذا. ولكن رأينا في العصر أن الحزب الأول تسمى الشيعة، والثاني الأمويين، والثالث الخوارج، والرابع المرجئة. ورأينا الخلاف خلافا دينيا، ورأينا كل حزب له أدلته الدينية. ورأينا خلافا في هذه الحروب حول الكفر والإيمان. ورأينا أن تسجيل هذه الحوادث والحروب والنزاع لم يكن محلها فقط كتب التاريخ، وهي التي تسجل الحوادث السياسية، بل عني بتسجيلها أيضا كتب الفرق الدينية والملل والنحل.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٠٨