أحمد أمين
13 شعبان سنة 1355
29 أكتوبر سنة 1936
| في العقائد والمذاهب الدينية في العصر العباسي الأول
| تمهيد في نشأة علم الكلام
كثر البحث في العقائد في ذلك العصر وتشعب، واتخذ ألوانا جديدة لم تكن أيام النبي
صلى الله عليه وسلم
ولا الأولين من صحابته، وأخذت هذه البحوث تتركز ليتكون منها علم جديد يساير سائر العلوم التي نشأت في هذا العصر، هو «علم الكلام».
وقد تعاون على نشوئه وارتقائه أسباب كثيرة: بعضها داخلي، وبعضها خارجي؛ وأعني بالأسباب الداخلية أسبابا صدرت من طبيعة الإسلام نفسه والمسلمين أنفسهم، وبالأسباب الخارجية أسبابا أتت من الثقافات الأجنبية والديانات المختلفة غير الإسلام.
فأما الأسباب الداخلية فأهمها: (1)
أن القرآن الكريم بجانب دعوته إلى التوحيد والنبوة وما إليهما عرض لأهم الفرق والأديان التي كانت منتشرة في عهد محمد
صلى الله عليه وسلم ، فرد عليهم ونقض قولهم؛ فحكى عن قوم أنكروا الأديان والإلهيات والنبوات، وقالوا: «ما يهلكنا إلا الدهر»، ورد عليهم بمختلف الدلائل. وعرض للشرك بجميع أنواعه؛ فمن المشركين من أله الكواكب واتخذها شريكة لله، فرد عليهم بمثل آية إبراهيم:
فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين ؛ ومنهم من أله عيسى عليه السلام، فرد عليهم في مواضع عدة وقال:
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون . وحمل على الذين قالوا بعبادة الأوثان وأشركوها مع الله. وحكى عن قوم أنكروا النبوات جميعا فقالوا:
أبعث الله بشرا رسولا
ورد عليهم: وعن قوم أنكروا نبوة محمد خاصة ورد عليهم. وأورد رأي قوم أنكروا الحشر والنشر، فرد عليهم بقوله:
كما بدأنا أول خلق نعيده ، إلى غير ذلك. وعرض لمسائل التكليف والجبر، والاختيار وأبان الحجة فيها؛ فحكى عن طائفة من المنافقين يوم أحد أنهم قالوا:
هل لنا من الأمر من شيء؟
وقالوا:
لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ، ورد عليهم في قولهم. وأمر الرسول أن يدعو دعوته، ويجادل مخالفيه، فقال تعالى:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن
فكان طبيعيا أن ينهج علماءالملة هذا المنهج فيردوا على المخالفين، ويتوسعوا في الدفاع توسع المخالفين في الهجوم، ويجددوا الحجج في الرد كلما جدد المخالفون الحجج في الطعن، فكان هذا من أسباب نشوء «علم الكلام». (2)
أن المسلمين لما فرغوا من الفتح، واستقر بهم الأمر، واتسع لهم الرزق، أخذ عقلهم يتفلسف في الدين فيثير خلافات دينية، ويجتهد في بحثها والتوفيق بين مظاهرها، ويكاد يكون هذا مظهرا عاما في كل ما نعرفه من أديان، فهي أول أمرها عقيدة ساذجة قوية لا تأبه لخلاف، ولا تلتفت إلى بحث، ينفذ نظرها إلى أسس الدين فتعتنقها وتؤمن بها إيمانا تاما في غير ميل إلى بحث وفلسفة؛ ثم يأتي طور البحث والنظر وصبغ مسائل الدين صبغة علمية فلسفية، وإذ ذاك يلتجئ رجال الدين إلى الفلسفة يستعينون بها في تدعيم حججهم وتقوية براهينهم؛ هذا ما كان في اليهودية، وهذا ما كان في النصرانية، وهذا ما كان في الإسلام؛ فقد كاد ينقضي العصر الإسلامي الأول في إيمان لا يعتوره كثير من الجدل؛ فلما هدأ الناس أخذوا ينظرون ويبحثون، ويتوسعون في النظر والبحث، ويجمعون بين الأشباه والنظائر، ويستخرجون وجوه الفروق والموافقات، فكان ذلك يستتبع حتما اختلاف وجهة النظر، فاختلاف الآراء والمذاهب. والنسق لذلك مثلا: أن المسلمين الأولين كانوا يؤمنون بالقدر خيره وشره، ويؤمنون بأن الإنسان مكلف بما أمره الله به، وكان إيمانهم بذلك إيمانا قويا مجملا من غير تعمق في بحث، ولا تفلسف في نظر؛ فجاء من بعدهم يجمعون الآيات الواردة في هذا الموضوع ويفلسفونها؛ فرأوا من ناحية أن الله تعالى يقول - مثلا -: