تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

56

وأكبر ما دعا إلى هذا النوع السمر اللذيذ، وأكثر ما يعجب فيه الغريب الظريف، فإذا رأى الأخباريون في الوقائع الثابتة ما يغذي هذا العاطفة قالوه، وإذا لم يجدوه اخترعوه، وقد يكون أساس الحادثة صحيحا ولكنه ليس يستخرج أقصى العجب فيكملوه من خيالهم، ويتزيدوا فيه من أوهامهم، ويصقلوه بالأسلوب اللطيف، حتى يخرج الخبر كله كأنه واقعة صحيحة. وقد اشتهر بهذا الوصف جماعة من أشهرهم في عصرنا:

الهيثم بن عدي

الطائي الكوفي الأخباري، فهو عربي الأصل من طيئ، أبوه عربي من واسط وأمه من سبي منبج، وإن هجاه قوم فنفوا نسبه، فقال فيه دعبل الخزاعي:

سألت أبي وكان أبي عليما

بأخبار الحواضر والبوادي

فقلت له: أهيثم من عدي؟

فقال كأحمد بن أبي دواد

فإن يك هيثم منهم صحيحا

فأحمد - غير شك - من إياد

متى كانت إياد تروس قوما

لقد غضب الإله على العباد

وقد كان الهيثم تلميذ هشام بن عروة ومحمد بن إسحق، وتتلمذ له محمد بن سعد صاحب الطبقات.

وله كتب كثيرة عدها ابن النديم في الأنساب والمثالب والتاريخ والأدب، وقد اتهم بأنه ذكر العباس بن عبد المطلب بشيء فحبس لذلك عدة سنين؛ وهذا مثل آخر من أمثلة تدخل العباسيين في العلم وتأثيرهم في التاريخ، ويظهر أن الحبس مرنه على أن يجاريهم، فقد نادم كثيرا من خلفائهم، نادم المنصور والمهدي والهادي والرشيد، وكان يتحفهم بالأخبار الطريفة المصطنعة غالبا؛ سأل المهدي يوما: ويحك! إن الناس يخبرون عن الأعراب شحا ولؤما، وكرما وسماحا، وقد اختلفوا في ذلك، فقال الهيثم: خرجت من عند أهلي ... ومعي ناقة أركبها فندت، فجعلت أتبعها حتى أمسيت، فأدركتها ونظرت فإذا خيمة أعرابي فأتيتها؛ ثم وصف المرأة بمنتهى البخل والشح، والرجل بمنتهى الكرم والسماحة. ثم قال إنه مضى لسبيله وأمسى عليه المساء فنزل خيمة أخرى، وحدث عما جرى له، فإذا المرأة سمحة كريمة، والرجل شحيح لئيم، فتبسم، فسأله الرجل: مم تبتسم؟ فحكى له قصته في الخيمة الأولى، فقال الرجل: إن هذه التي عندي هي أخت ذلك الرجل، وتلك التي عنده أختي.

57

وهكذا لفق الحكاية وصقلها ليبين أن في بعض العرب كرما وسماحة، وفي بعضهم لؤما وشحا؛ ومثل ذلك القصة التي اخترعها ليدل بها على معايب كل قبيلة من قبائل العرب.

58

وعلى الجملة فقد ملأ التاريخ والأدب بأخباره وقصصه ونوادره، وله أثره في مصر، فقد جاءها ونزل بها وحدث فيها، كما روى السمعاني، ومات بفم الصلح سنة 206.

وينسبون إليه أنه من أسبق المؤرخين إلى ترتيب الحوادث حسب السنين، فكان في ذلك قدوة للطبري بعده.

والمحدثون يهاجمونه هجوما عنيفا، فيحيى بن معين يقول: «ليس بثقة» و«ليس بشيء» و«كان يكذب»، ويقول بعضهم فيه: «ساقط قد كشف قناعه»، ورووا عن جارية الهيثم أنها قالت: «كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب»، وقال أبو داود «هو كذاب»، وقال النسائي: «متروك الحديث».

59

حتى أبو نواس قال فيه:

الهيثم بن عدي في تلونه

في كل يوم له رحل على خشب

فما يزال أخا حل ومرتحل

إلى الموالي وأحيانا إلى العرب

له لسان يزجيه بجوهره

كأنه لم يزل يغدو على قتب

لله أنت فماقربى تهم بها

إلا اجتلبت لها الأنساب من كثب

إذا نسبت عديا في بني ثعل

فقدم الدال قبل العين في النسب

والحق أن أبا نواس هجاه لحادثة حدثت له، وأن المحدثين هاجموا أكثر المؤرخين - كما رأيت - لأن نمطهم يختلف عن نمط المحدثين، ولا يدققون في رواياتهم تدقيق المحدثين، ومن أجل هذا كان بعض المحدثين يطعنون في المؤرخ من ناحية حديثه فقط، ولا يتعرضون لناحيته في التاريخ أو الأنساب وما إلى ذلك؛ فيقول بعضهم في الهيثم: «كانت له معرفة بأمور الناس وأخبارهم، ولم يكن في الحديث بالقوي». وإن كان هذا كله لا يخلي الهيثم من تساهله في التاريخ والأخبار، ويجعل الناقدين على حق في وصفه بأنه «أخباري».

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٠٣