تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60

وقد اشتهر بوصف «الأخباري» في هذا العصر كثير غيره كأبي بكر عياش، ويموت بن المزرع وغيرهما، نكتفي منهم بهذه الصورة. •••

وهكذا هجم المؤرخون - وما كان أكثرهم في هذا العصر - على فروع التاريخ المختلفة، وأخذوا في تدوينها وترتيبها وترقيتها، من كتب في حوادث مختلفة إلى كتب جامعة، ومن مسائل منتثرة على كتب منظمة، ومن سرد حوادث إلى ترتيبها حسب السنين.

فإن نحن سألنا في التاريخ سؤالنا في النحو، هل التاريخ الإسلامي علم إسلامي مستقل، أو متأثر بالأمم الأخرى؟ قلنا إنه يظهر لنا أن تاريخ السيرة، وتاريخ حوادث الإسلام في عصوره الأولى كان إسلاميا بحتا، ويدل تطوره على أنه تطور طبيعي لم يأته التنظيم من الخارج، نعم كان لليونان تاريخ عام، وتاريخ للبلدان، وتراجم رجال، وكان للفرس تواريخ مؤرخة حسب السنين، ولكن لم يظهر أثر للنقل عنهم في حياة التاريخ الأولى عند المسلمين. أما متأخرو المؤرخين، وتاريخ المؤرخين الأولين للأمم الأخرى من فرس وروم، ويهودية ونصرانية، فالنقل فيها والتأثر بها واضح جلي.

قد يكون في عمل هؤلاء المؤرخين بعض مآخذ، كتلوين التاريخ ببعض العقائد أحيانا، وتعصبهم لقبائلهم أحيانا، وللخلفاء الذين يتصلون بهم أحيانا، وكبنائهم التاريخ حول الخلفاء لا حول الشعوب، وإهمالهم كثيرا من وصف النواحي الاجتماعية، وغلبة النزعة الدينية فيما يعرضون له من أحداث، وضعف النقد وإيجازه وسذاجته إلى غير ذلك؛ ولكن كل هذه العيوب تقل حدتها إذا نظرنا إلى ما ذكرنا من مزاياهم، خصوصا وإنا عند نقدهم يجب أن نقيس محاسنهم ومعايبهم باعتبار زمانهم وبيئتهم التي تحيط بهم، لا بزماننا وبيئاتنا، حتى يكون النقد أدق والحكم أصدق؛ فمن من المؤرخين غيرهم عني في عصرهم بتاريخ الحوادث بالشهر باليوم؟ وبعض المؤرخين الأوربيين يقول إن هذا النمط من كتابة التاريخ لم يعرف في أوربا قبل سنة 1597م؛ ومن من المؤرخين غيرهم عني بالإسناد عنايتهم، فيسند الرجل إلى امرأته وإلى أمته، ويدور على الناس في أخبيتهم ومنازلهم يتلمس الأخبار ويطبق ما يسمع على المشاهد؟ ومن من المؤرخين في مثل عصرهم يتشدد تشددهم في الرواية والسماع، ولا يستجيز الأخذ عن الصحيفة إلا أن يكون ضعيفا مطعونا فيه؟ ومن من المؤرخين في مثل عصرهم صبر على ما صبروا عليه من فاقة وبؤس، وحل من غانة إلى فرغانة، مع بعد الشقة ووعورة الطرق، ثم قيد كل ما سمع مع الإفلاس، وغلاء القرطاس؟

الحق أنهم - على عيوبهم - لم يدخروا جهدا، ولم يعرفوا دعة.

| الخلاصة

إذا نحن نظرنا نظرة عامة إلى ما قدمناه من نشأة العلوم على اختلاف أنواعها من علوم دينية، كالتفسير والحديث والفقه، ومن علوم لسانية كاللغة والنحو والأدب، ومن علوم أخرى كالتاريخ، وجدنا أنها تشترك في مظاهر واحدة، وأنها خضعت لقوانين واحدة، ويمكن أن نجملها فيما يأتي: (1)

بدأت هذه العلوم كلها شفوية يتناقلها الناس بعضهم عن بعض بالسماع ولا يعنى بالتدوين فيها إلا أفراد قلائل، في شكل ساذج.

ثم بدأ التدوين يكثر شيئا فشيئا، ولكن على غير نظام، فالعلم كله في نظرهم شيء واحد، والعالم غير متميز؛ فمسألة في التفسير، ومسألة في التاريخ، ومسألة في الأدب، ومسألة في التشريع. وكلها علم ليس بينها من فرق، والعالم يعرض لكل ذلك من غير أن يشعر بأنه انتقل من حدود علم إلى حدود آخر.

ثم أخذ العلم يتركز، ولما اتسعت دائرته وكثرت جزئياته أصبح أكثر العلماء لا تتسع قدرتهم للإحاطة بها، فغلب على كل طائفة ميل خاص إلى بعض المسائل اشتهر به، فمنهم من غلبت عليه نزعة التشريع، ومنهم من غلبت عليه نزعة التاريخ وهكذا؛ وبوضوح هذه النزعات على توالي الزمان أخذت المسائل المتشابهة يتجمع بعضها حول بعض، فتميزت العلوم نوعا ما.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٠٤