وخطا الأدباء خطوة تقليدية أيضا، فوضعوا الكتب كذلك في تراجم الشعراء وطبقاتهم ، فوضع ابن سلام طبقات الشعراء على نسق طبقات المحدثين، وأتى بعده ابن قتيبة، فألف أيضا في الطبقات وترجم لكل شاعر ترجمة مختصرة. ودليلنا على أن الأدباء قلدوا المحدثين أن المحدثين كانوا أسبق إلى هذا العمل تاريخيا، ففي العهد الأموي نرى أحاديث قيلت في جرح الرجال وتعديلهم، ونرى في صدر الدولة العباسية شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان يؤلفان الكتب في نقد المحدثين وبيان صادقهم من كاذبهم، مع أنا لا نعلم في بدء هذا العصر كتابا أدبيا يصح أن يقال إن موضوعه تراجم رجال الأدب.
بل نرى من أقوى الأدلة على ذلك أن الصبغة التي اصطبغت بها كتب التراجم الأدبية صبغة محدثين أكثر منها صبغة أدباء، خصوصا ما ألف منها أيام سطوة المحدثين، ككتاب الأغاني، فإنك ترى فيه الإسناد على نمط إسناد المحدثين والتعبير في كثير من الأحيان تعبير حديث، وذلك كقوله أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد عن أبيه، عن أبي عبيدة قال: بلغني أن هذا البيت (لا يذهب العرف بين الله والناس) في التوراة؛ قال إسحق: وذكر عبد الله بن مروان، عن أيوب بن عثمان الدمشقي، عن عثمان بن عائشة، قال: سمع كعب الحبر رجلا ينشد بيت الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
فقال: والذي نفسي بيده إن هذا البيت لمكتوب في التوراة؛ قال إسحق قال العمري: والذي صح عندنا في التوراة: «لا يذهب العرف بين الله والعباد».
55
فلعلك ترى معي أنك - وأنت تقرأ هذا - كأنك تقرأ قطعة من أحاديث البخاري.
ومن أكبر المظاهر التي تأثرت بها كتب تراجم الأدباء بكتب المحدثين احتجاب شخصية المؤلف، تقرأ في الأغاني فيغمرك بروايات عن الرجل وأحاديثه ووقائعه وأدبه وشعره، ولكن قل أن تظفر منه بكلام له أو نقد لشعر أو تعليق على حادثة أو نحو ذلك. ويظهر لي أن هذا أيضا أثر من آثار نمط المحدثين؛ فقد حصروا أنفسهم في دائرة النقل، نقل ما حدثوا به، ونقل ما بلغهم عن الرجل، وذلك إن جاز في الحديث ومجال القول ضيق؛ لأن المحدث لا يهمه من المترجم إلا ما يدل على صدقه أو كذبه وتجريحه أو عدالته، فما كان يجوز في الأدب ومجال للقول ذو سعة، وشخصية الأديب في النقد والتحليل وبيان المحاسن والمساوي، وموضع الحسن أو القبيح لها القيمة الكبرى في الفن الأدبي، ولكن هو التقليد للمحدثين نزع بهم هذا المنزع - وليس هذا مقصورا على كتب التراجم، بل هو في أصول كتب الأدب المؤلفة في ذلك العصر أيضا. فإذا قرأت في البيان والتبيين للجاحظ أو عيون الأخبار لابن قتيبة لم تجد للمؤلف شخصية بارزة مع قدرتهما الفائقة، وما لهما من بسطة في العلم والأدب، ولو أحصيت ما للجاحظ في البيان والتبيين لم تجد له ربع الكتاب ولا خمسه، وإنما له الاختيار والجمع - شأن المحدثين في الحديث.
وأيا ما كان فقد ترقى هذا النوع على توالي الزمن، من كتب مرتبة حسب حروف الهجاء، وحسب العصور، ومن إفراد كل علم بطبقات رجاله، من طبقات نحويين وطبقات شافعية وحنفية ومالكية، ومن إفراد أصحاب العقائد الكتب لمعتنقيها من طبقات للشيعة وللمعتزلة إلخ، ومن تاريخ علماء كل بلد كتاريخ البغدادي في علماء بغداد إلخ، مما ليس هذا محل تفصيله. •••
ونوع سادس لم ينزل إلى درجة القصص، فنقرؤه على أنه وليد الخيال واختراع الوهم، ولم يرتفع إلى درجة التاريخ فتفحص وقائعه، وتمتحن أحداثه، وتضبط رواياته، بل كان مزيجا من هذا وذاك، مزج فيه الواقع بالخيال، والحقائق بالأوهام، ويروي صاحبه خبرا صحيحا ويمزجه بأخبار مخترعة، ويرويها كلها على أنها وقائع ثابتة، وأحداث صادقة، فهو يرويها كما يروي التاريخ، ولكن لا يدقق فيها كما يدقق المؤرخ، وقد أطلق على هؤلاء اسم «الأخباريين»، فهو اسم أقل في الدلالة من اسم مؤرخ، وفيه ما يشعر بالحق والخيال معا، على حين أن المؤرخ يشعر برواية الحق وحده؛ قال السمعاني في كتابه الأنساب: «الأخباري بفتح الألف وسكون الخاء وفتح الباء وفي آخرها الراء، هذه النسبة إلى الأخبار، ويقال لمن يروي الحكايات القصص والنوادر الأخباري».