ومن عنده علم الكتاب ، فكان علمهم وعلم من أتى بعدهم مصدرا للمؤرخين يؤرخون منه الأمم اليهودية والنصرانية وغيرهما، فنقلوا عن اليهود والنصارى ومن أسلم منهم تلك الأخبار وأدخلوها في كتبهم، وقد رأينا قبل ابن إسحق ينقل عن التوراة نصوصا.
ونحن إذا استعرضنا تاريخ الطبري المسمى «تاريخ الأمم والملوك» نستطيع أن نتعرف منه رواة الأخبار لكل أمة ممن كانوا الطبقة الأولى، ومن كانوا الطبقة الثانية، وهكذا حتى وصلت إليه، فهو ينقل عن وهب بن منبه كثيرا في أخبار خلق العالم وما إليه، كما ينقل عن ابن جريج الرومي كثيرا من ذلك ومن أخبار النصرانية، ونجد كثيرا في رواته من كانوا من أصل يهودي أو نصراني كعبد الرحمن ابن دانيل وأسباط، وفي بعض المواضع تكاد تكون سلسلة الرواية واحدة «عمرو عن أسباط عن السدي» إلخ. ويقول في تاريخ الفرس: «ذكر العلماء بأخبار الأمم السالفة من العرب والعجم كذا» إلخ.
ويطول بنا القول لو وقفنا عند كل أمة ذكرها الطبري، وعددنا الرواة وسلسلنا وترجمنا لأصحابنا من أولهم إلى أن وصلت إلى ابن جرير، فنجتزئ بهذا القدر الآن، ونرجئ ما عدا ذلك إلى الكلام في الطبري إن شاء الله.
ومن هذه الطرق كتب المسلمون تاريخ اليهود والنصارى والسريانيين وملوك بابل، وتاريخ الفرس واليونان والروم إلخ.
والذي يلاحظ أن هذا القسم أكثر تضخما بالوضع وبالأساطير لبعد العهد أولا، ولعدم الدقة في النقل ثانيا، ولتزيد كل أمة في أخبارها ثالثا. •••
ونوع خامس من التاريخ وهو «تراجم الرجال» وقد عني به المسلمون قديما عناية غريبة فاقت غيرهم من الأمم في عصورهم، فما إن يظهر أحد بالعلم والمعرفة - ولو برواية حديث واحد أو خبر واحد - إلا يهجم عليه العلماء ويرحلون إليه ويأخذون عنه، ويعد العالم ظفرا كبيرا أن يعثر على رجل أو امرأة من هؤلاء لم يصل إليه غيره، فيقيد عنه ما أخذ ويروي ما سمع، وما إن يموت هذا المروي عنه الحديث أو الخبر، أو من اشتهر بعلم أو معرفة، حتى يتسابق المؤرخون على تدوين أصله ونسبه، والبلاد التي تنقل فيها، والشيوخ الذين أخذ عنهم، والأحداث التي عرضت له في حياته، وتاريخ وفاته وغير ذلك.
وربما كان أصل ذلك ما ورد منذ العصر الأول للإسلام عن فضائل بعض الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعبيدة بن الجراح، وكثير غيرهم مما ملئت به كتب الحديث، فكان هذا داعيا لأن يحتذوا هذا الحذو، ويقفوا على فضائل غيرهم من الصحابة والتابعين من بعدهم. فلما اتسعت الحركة العلمية وكثرت رواية الحديث، ورأى العلماء أنفسهم بين أصناف من الرواة، صادق وغير صادق ومشكوك فيه، جرت ألسنتهم بالحكم على الأشخاص، وقد رأيت قبل أن الصحابة أنفسهم كان بعضهم يمدح بعضا، وبعضهم يجرح بعضا، كالذي قاله عبد الله بن عمر وعائشة في أبي هريرة؛ فلما جاء التابعون من بعدهم رأينا هذا الباب يتسع، ويزيد قول بعضهم في بعض مدحا وذما، وتوثيقا وتجريحا. فقد نقل عن مالك بن أنس الكثير في الطعن منه والطعن عليه، ولما تركزت الأمصار زادت اتساعا، فالحجازيون يشرحون العراقيين، والعراقيون يشرحون الحجازيين وهكذا.
كل هذا يلفت الأنظار إلى الرجال وجعل العلماء يعنون بهذه الناحية؛ وقد رأينا قبل الواقدي ألف كتاب الطبقات وحذا حذوه فيه تلميذه وكاتبه ابن سعد، والظاهر أن الباعث على تأليفهما هو باعث الحديث ليعرف من يصح الأخذ عنه ومن لا يصح؛ هذا إلى الإشادة بذكر أخبار أخيار الناس وقادتهم، وقام المحدثون في هذا الباب بما يستخرج العجب، فبحثوا عن كل راو وشرحوه وحللوه، حتى أتى البخاري فوضع كتبه الثلاثة في تاريخ الرجال كما رأيت، وحذا من بعده حذوه.
وكان عمل هؤلاء العلماء والمحدثين سببا في أن رجال اللغة والأدب قلدوا المحدثين، فشرح الأصمعي والكسائي وأبو عبيدة وقطرب وحماد وخلف الأحمر كما شرح المحدثون، وقالوا الأقوال المختلفة في تجريحهم وتعديلهم كما قال المحدثون، ولم يكتف المحدثون بالنقد، بل زادوا في ذلك تاريخ الرجل وشيوخه ليتعرفوا من ذلك قيمته، ففعل رجال اللغة والأدب.