51
وقد فعل الأغاني مثل ذلك في أكثر من موضع.
وروى له ابن خلكان أيضا قولا تظهر فيه الصنعة كل الظهور.
52
وقد اتصل هشام بالمأمون وصنف له كتاب «الفريد» في الأنساب، واتصل بجعفر بن يحيى البرمكي وألف له كتاب «الملوكي» في الأنساب أيضا. وتوفي سنة 204.
كما اشتهر آخرون منهم: أبو اليقظان النسابة، واسمه سحيم، ألف كتبا كثيرة في الأنساب، كنسب تميم ونسب خندف، وكان شيخ المدائني. ومات سنة 190.
ويتصل بهذا ما فعله الشعوبية في هذا العصر، كالذي فعل أبو عبيدة، فقد ألف كتاب المثالب، وكتاب مثالب باهلة، وكتاب أدعياء العرب؛ وكالذي فعله علان الشعوبي، فقد ألف كتابا في المثالب، منه مثالب قريش، ومثالب تميم بن مرة، ومثالب بني أسد، ومثالب بني عدي إلخ؛ وكالذي فعله الهيثم ابن عدي، فله كتاب المثالب الكبير، ضمنه مثالب العرب. فهؤلاء وأمثالهم كانوا يتعرضون للأنساب من ناحية خاصة؛ وهي ذكر عيوب القبائل العربية والتشهير بها تبعا لنزعتهم الشعوبية. •••
ونوع رابع من التاريخ ظهر كذلك في هذا العصر وقبله، وهو تاريخ الأمم الأخرى من فرس وروم ونحوهما، وتاريخ الأديان الأخرى كيهودية ونصرانية، والذي بعث على هذا النوع - في نظري - أمور: (1)
إن بعض الخلفاء، وقد فتحو الفتوح، أرادوا أن يقفوا على الأمم المفتوحة وأخبارها تلذذا بذلك من جهة، واستفادة من معرفة أحوال الأمم في نظمها وترتيب أمورها من جهة أخرى، ووقوفا على أحوالها حتى يكونوا على استعداد إذا أرادوا أن يدهموهم، من جهة ثالثة، فالمسعودي يذكر في سيرة معاوية أنه كان يخصص جزءا من ليله في سماع «أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها، وسياستها لرعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة»،
53
ويقول في ترجمة السفاح: إن أبا بكر الهذلي «كان يحدث السفاح يوما بحديث لأنوشروان في بعض حروبه بالمشرق، مع بعض ملوك الأمم»،
54
إلى كثير من أمثال ذلك. ولا يمكن أن نتصور ملكا ضخما كالدولة الأموية والعباسية لم يكن ملوكها واقفين وقوفا تاما على معرفة أحوال الأمم المجاورة، التي تصالحها حينا وتحاربها حينا، والكتب تتداول بينهم وبين ملوكها، والمعاهدات تبرم بينهما وتنقض، وهذا - من غير شك - يضطرها إلى معرفة شيء من تاريخها وأحوال ملوكها. (2)
إن الإسلام نشر سلطانه على كثير من الأمم المفتوحة، ودخل كثير من أهلها في الإسلام وتعربوا في الجيل الثاني، وصاروا يتقنون العربية قولا وكتابة، وكانوا يعرفون تاريخ أممهم من آبائهم ومن أهل جنسهم، فدعتهم النزعة القومية إلى أن يكتبوا تاريخ أممهم بالعربية اعتزازا به، وحرصا على الوطنية الكامنة، فابن المقفع الفارسي الأصل العربي المربى يترجم كتاب «خداينامه»، وهو كتاب في تاريخ الفرس من أول نشأتهم إلى آخر أيامهم، ويترجم كتاب «آبين نامه»، وهو كتاب في نظم الفرس وعاداتهم وشرائعهم، ويترجم كتاب التاج في سيرة أنوشروان إلخ، وإسحق بن يزيد ينقل من الفارسية إلى العربية كتاب سيرة الفرس المعروف باختيار نامه، والسريانيون ينقلون أخبار قومهم، وأخبار اليونان وتاريخ حكمائهم وعلمائهم إلخ. ولما نشطت حركة الترجمة في العصر العباسي وكان كثيرون يتقنون الألسنة المختلفة مع العربية، فمنهم من يتقن الفارسية، ومنهم من يتقن اليونانية، ومنهم من يتقن الهندية، وقعوا - فيما وقعوا عليه - على كتب في تاريخ الأمم المختلفة فنقلوها إلى اللسان العربي، فكان من ذلك كله أن كان أمام من يتكلمون العربية مصادر مختلفة لأخبار الأمم المختلفة، كانت كلها معتمد الطبري في تاريخه ومن أتى بعده من المؤرخين. (3)
إن القرآن والسنة اشتملا على كثير من أخبار اليهود والنصارى، والصابئين والمجوس، وكان تعرضهما مختصرا مقتصرا فيه على موضع العظة، فأراد المفسرون أن يتوسعوا في تفسير ذلك، فكان مجالهم أخبار اليهود والنصارى وغيرهم مما ورد في التوراة والإنجيل وشروحهما وحواشيهما؛ وقد عد ابن النديم كتبا كثيرة يهودية ونصرانية نقلت إلى العربية وعرفها المسلمون، وصادف ذلك أيضا أن دخل كثير من هؤلاء في الإسلام يحملون في رءوسهم معلومات واسعة تلقنوها قبل إسلامهم. وصف القرآن الكريم بعضهم بقوله: