تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما جاءت الدولة العباسية ظهرت الشعوبية، وأخذ الشعوبيون يبحثون عن مثالب العرب ومثالب كل قبيلة ويتزيدون فيها، فكان ذلك باعثا جديدا على تشريح القبائل وعد المفاخر من جانب العرب، وعد المثالب من جانب الشعوبية؛ فكان من ذلك العناية بالأنساب وتدوينها والتأليف فيها، وأقام ذلك فرعا من التاريخ بجانب تاريخ السير والمغازي وتاريخ الأحداث الإسلامية.

وقد اشتهر جماعة من أول عهد الإسلام بحفظ الأنساب، فاشتهر أبو بكر الصديق بأنه نسابة، وله أخبار ومناظرات في ذلك تدل على معرفته الواسعة بقبائل العرب وفروعها.

48

واشتهر بذلك أيضا دغفل بن حنظلة الشيباني، وقد اختلف المحدثون في عده صحابيا، وأكثرهم على أنه كان رجلا أيام النبي

صلى الله عليه وسلم

ولكن لم يلقه، وله مع أبي بكر مناظرة في النسب، ذكرها صاحب العقد، وقد غرق سنة 70ه في حرب الخوارج؛ ويجمع مؤرخوه على معرفته الواسعة بالنسب، فيقول ابن سيرين: «إنه كان عالما ولكن اغتلبه النسب»؛ وقال ابن سعد: «كان له علم ورواية للنسب»؛ ويروون أنه اتصل بمعاوية فأعجب بعلمه وقال له: اذهب إلى يزيد فعلمه. وعدوه فيمن نزل البصرة؛ وله أخبار كثيرة في الأنساب، ولكن كما قال ابن النديم: «لا مصنف له»، وذلك طبيعي بالنسبة لزمنه.

واشتهر بالنسب أيضا من التابعين سعيد بن المسيب، فكان نسابة؛ قال له رجل: أريد أن تعلمني النسب، قال: «إنما تريد أن تساب الناس».

كما اشتهر في العهد الأموي النسابة البكري، و«كان نصرانيا، روى عنه رؤبة بن العجاج».

49

وكان في كل قبيلة قوم يعرفون أنسابها، فلما جاء عصر التدوين عني قوم بملاقاة هؤلاء العارفين والأخذ عنهم، وتدوين ذلك في الكتب، كما فعلوا في اللغة والأدب؛ وقد اشتهر بذلك في عصرنا جماعة، من أشهرهم

محمد بن السائب الكلبي ، وابنه هشام الكلبي؛ فمحمد بن السائب من قبيلة كلب، وإليها ينسب، وكان من علماء الكوفة، استقدمه سليمان بن علي العباسي إلى البصرة.

وقد عاش الكلبي عهدا طويلا في العصر الأموي، وشهد وقعة دير الجماجم مع عبد الرحمن بن الأشعث، ولم يكن ضلعه مع بني أمية، كما يدل عليه خروجه عليهم، وكذلك كان أبوه وجده، فأبوه السائب قتل مع مصعب بن الزبير، وجده بشر كان مع علي في وقعة الجمل وصفين.

وكان محمد بن السائب غزير العلم بالأنساب، يتلقاها عمن عرفها من أهلها، فيقول ابن النديم: «أخذ نسب قريش عن أبي صالح، وأخذه أبو صالح عن عقيل ابن أبي طالب، وأخذ نسب كندة عن أبي الكناس الكندي، وأخذ نسب معد بن عدنان عن النجارين أوس العدواني، إلخ». وتوفي سنة 146.

وجاء بعده ابنه هشام الكلبي، فأكمل خطة أبيه، فكان «عالما بالنسب وأخبار العرب وأيامها ومثالبها ووقائعها»، وله كتب كثيرة ذكرها ابن النديم وقسمها إلى أقسام: كتب في الأحلاف، أي الحلف بين القبائل، وكتب في المآثر والبيوتات والمنافرات والموءودات، وكتب في أخبار الأوائل، وكتب فيما قارب الإسلام من أمر الجاهلية، وكتب في أخبار الإسلام، وكتب في أخبار البلاد، وكتب في أخبار الشعراء وأيام العرب، وكتب في الأخبار والأسمار، وكتب في نسب اليمن، وكتب في أنساب أخرى، وكتب في موضوعات شتى؛ وتبلغ الكتب التي عدها له نحو 140 كتابا. وكتاب نسب فحول الخيل في الجاهلية والإسلام، وكتاب الأصنام الذي طبع في مصر؛ هذا إلى مقتبسات من تآليفه في الكتب المشهورة كالطبري، وكمعجمي ياقوت، وكتاب شرح ابن الأنباري للمفضليات، والعقد الفريد، والأغاني وغيرها.

والمحدثون يتهمونه وأباه، فيقول أبو حاتم محمد بن السائب: «أجمعوا على ترك حديثه، واتهمه جماعة بالوضع»؛ ويقول أحمد بن حنبل في هشام: «من يحدث عنه؟ إنما هو صاحب نسب وسمر، ما ظننت أن أحدا يحدث عنه».

50

حتى الأغاني يعقب على هشام في مواضع مختلفة ويرميه بالوضع، فيقول بعد نقله عن ابن الكلبي أخبارا عن دريد بن الصمة: «هذه الأخبار التي ذكرتها عن ابن الكلبي موضوعة كلها والتوليد بين فيها وفي أشعاره، وما رأيت شيئا منها في ديوان دريد بن الصمة على الروايات ... وهذا من أكاذيب ابن الكلبي، وإنما ذكرته على ما فيه لئلا يسقط من الكتاب شيء قد رواه الناس وتداولوه».

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٩٩