تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففي سبيل الله ما يلاقي مؤرخ الفكر من عناء لا يتناسب وما يحصله من نتاج! •••

سرت في «ضحى الإسلام» سيري في «فجر الإسلام»، رائدي الصدق والإخلاص للحق، فإن أصبت فحمدا لله على توفيقه، وإن أخطأت فالحق أردت، ولكل امرئ ما نوى.

عنيت بضحى الإسلام المائة سنة الأولى للعصر العباسي (132-232ه)؛ أعني إلى خلافة الواثق بالله؛ فهو عصر له لون علمي خاص، كما أن له لونا في السياسة والأدب خاصا، امتاز بغلبة العنصر الفارسي، وبحرية الفكر إلى حد ما، وبدولة المعتزلة وسلطانهم، وبتلوين الأدب من شعر ونثر لونا احتذي على كر الدهور، واختلاف العصور. كما امتاز بتحويل ما باللسان العربي إلى قيد في الدفاتر وتسجيل في الكتب، وما باللسان الأجنبي إلى لغة العرب. وهو في كل هذا يخالف العصور قبله والعصور بعده، مخالفة تجعله حلقة قائمة بنفسها، يصح أن تسمى، وأن تدرس، وأن تميز. على أني أحيانا يدعوني إيضاح الفكرة إلى أن أربطها بما كان منها في العصر الذي قبله، كما قد يدعوني تسلسلها إلى أن أتجاوزه إلى العصر الذي بعده.

وقد رتبته أبوابا أربعة:

الباب الأول:

في الحياة الاجتماعية في ذلك العصر، واجتزأت منها بما له أثر قوي في العلم والفن.

والباب الثاني:

في الثقافات المختلفة؛ دينية، وغير دينية.

والباب الثالث:

في الحركات العلمية، ومعاهد العلم، وحرية الفكر، ومزايا البلدان في تلك الحركات.

والباب الرابع:

في المذاهب الدينية، وتاريخ حياتها، وأشهر رجالها، وأهم أحداثها.

وكنت أحزر أنه سيكون حجمه حجم «فجر الإسلام»، فلما شرعت في تأليفه اتسع علي موضوعه، وغرمتني مناحيه، وواجهت مسائل لم تكن خطرت لي، فتركت البحث على سجيته، والقول على طبيعته، فإذا هو ضعف فجر الإسلام أو يزيد، فاضطررت أن أجعله جزأين، في كل قسم بابان.

وأتقدم إلى القراء اليوم بقسمه الأول، راجيا ألا يفرغوا من قراءته حتى أقدم إليهم قسمه الثاني.

على أني لم أقل في كل موضوع إلا كلمته الأولى، ولم أنظر إليه إلا نظرة الطائر، ولو حاولت أن أستوفي الكلام في كل فصل لكان من كل فصل كتاب. فإن نجحت في إثارة الباحثين لنقده، وتصحيح خطئه، وتوسيع مباحثه، فذلك حسبي، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

23 رمضان سنة 1351

19 يناير سنة 1933

أحمد أمين

الباب الأول

| الحياة الاجتماعية في العصر العباسي الأول

| مقدمة

يصور بعض المؤرخين الحالة (وقد سقطت الدولة الأموية، وقامت الدولة العباسية) تصويرا يخيل إليك معه؛ أن هناك حدودا فاصلة بين الدولتين، وأن صفحة للتاريخ قد ختمت بانتهاء الدولة الأموية، وأن صفحة أخرى بدئت بقيام الدولة العباسية، وأنه ليس هناك كبير علاقة بين الأمة الإسلامية في عهدها الأول، والأمة في عهدها الثاني. وهذا التصوير أبعد ما يكون عن الصحة! وعلى الأخص من الناحيتين؛ الاجتماعية، والعقلية.

فقد حدثت حوادث في صدر الإسلام، وفي عهد الدولة الأموية، أخذت تعمل عملها منذ وجودها، واستمر تأثيرها مع سقوط الأمويين، وقيام العباسيين. خذ لذلك مثلا: تعاليم الإسلام؛ فقد ظلت تعمل وتنتشر، مؤثرة في البلاد المفتوحة ومتأثرة بها، وكذلك الشأن في انتشار لغة العرب؛ فلم يكن قيام الدولة العباسية صفحة جديدة لهذين العاملين، وإنما كانت مهدا لامتدادهما. ومن أوضح المثل على ذلك: عملية الامتزاج بين الأمم الفاتحة والمفتوحة؛ فقد بدأت من عهد عمر بن الخطاب، ووقفت وقفة صغيرة لما أصاب الأمم المغلوبة من الدهش. ثم بدأت تخضع للنظم الاجتماعية؛ من تزاوج، ودخول في الإسلام، وتعلم للعربية، ثم ظهور جيل جديد يحمل الدم العربي والأجنبي معا، بل يحمل مع ذلك خصائص الأمم المختلفة التي يتكون منها دمه، سواء كانت خصائص جسمية، أو عقلية، أو خلقية، أو روحية. وأخذ هذا الجيل في الظهور في عهد الدولة الأموية، وظل ينمو ويتعاقب في الدولة العباسية، وكان من نتائج هذا الامتزاج: أن كل جنس بدأ يتعلم من الأجناس الأخرى ما يشعر بأنها آخذة منه بحظ أوفر، فالعربي يأخذ من الفرس والرومان حضارتهم، والفرس تأخذ من العرب الدين، واللغة، وهكذا.. وهذه العمليات ظلت سائرة في العهد العباسي، كما كانت سائرة في العهد الأموي.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢