تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46

وعلى الجملة فالمحدثون لا يطعنون عليه كما طعنوا على سابقيه، فيحيى بن معين أشهر نقاد رجال الحديث يقول إنه ثقة. وقد اتصل بالمأمون وحدثه على ظلم بني تمية لعلي وبنيه، فقال له المأمون: «لا جرم قد ابتعث الله عليهم من يلعن أحياءهم وأمواتهم، ويلعن من في أصلاب الرجال وأرحام النساء؛ يعني الشيعة»،

47

ويظهر مما نقل عنه في أخبار الدولة العباسية أنه كان مؤيدا لها ونصيرا.

وكان من أكبر تلاميذ المدائني (4)

الزبير بن بكار

من نسل عبد الله بن الزبير، وبيتهم هو الذي عرف بسعة العلم وبالسيرة - كما رأيت قبل - وكان الزبير من مشاهير العلماء والأدباء في العصر العباسي، وحامل علم المدائني في التاريخ، وله مؤلفات أيضا ككتاب نسب القرشيين؛ وقد عد له ابن النديم 21 كتابا، بعضها في التاريخ وبعضها في الأدب، وكان مؤدب ولد محمد بن عبد الله بن طاهر حينا، وتوفي وهو قاض بمكة سنة 256، وعمره أربع وثمانون سنة.

ولكن هذه الطبقة على العموم طبقة أبي مخنف وسيف بن عمر والمدائني وأمثالهم لم يكن تأليفهم مرتبا ولا عملهم مسلسلا منظما، ولا شاملا وافيا، كما يدل على ذلك مانقل عنهم، إنما كثر الترتيب والتنظيم في الطبقة التي أتت بعدهم، وهي طبقة البلاذري وابن جرير الطبري، وكان الطبري أكثر تنظيما وأميل إلى تنسيق الحوادث وترتيبها حسب السنين، وله الفضل في أنه جمع في كتابه زبدة ما ألفه المؤرخون قبله كما فعل في التفسير؛ ونرجئ الكلام فيه وفي طبقته إلى الكلام في العصر العباسي الثاني إن شاء الله فهو بهم أليق.

ونلاحظ أن أكثر من ذكرنا ممن كتبوا في التاريخ الإسلامي في ذلك العصر كانوا من أهل العراق، فأبو مخنف كوفي، وسيف بن عمر كوفي كذلك والمدائني بصري سكن المدائن ثم بغداد، والزبير بن بكار وإن كان مدنيا فقد عاش في العراق أزمانا؛ وعلى العكس من ذلك من كتبوا في السير والمغازي، فقد كان أكثرهم مدنيين كما رأينا، وقد أبنا السبب قبل في عناية المدنيين بالسيرة. أما الفتوح وما إليها فقد سكن كثير ممن اشتركوا فيها العراق وتحدثوا بأخبارها ورووا ذلك أبناءهم، وكانوا أقدر على التدوين من أهل الشام ولو أن الخلافة الأموية فيهم، فلما جاء العباسيون كان طبيعيا أن يكون مؤرخوهم من العراق. •••

ونوع ثالث عني به مؤرخو المسلمين وهو الأنساب، وذلك أن العرب كانت بحكم طبيعتها تعيش قبائل، وتعد القبائل وحدة كوحدة الأسرة، وتمحي فيها شخصية الفرد إلى حد كبير، فالمحمدة يأتيها الفرد محمدة للقبيلة، والعار يرتكبه الفرد عار للقبيلة، والشاعر يشعر للقبيلة، والخطيب يخطب للقبيلة، والوفود تفد باسم القبيلة، وهكذا ملكت عليهم القبيلة أنفسهم وتفكيرهم. فلما جاء الإسلام أراد أن يحل الأخوة الدينية محل الرابطة القبلية، ووجدت الرابطة الدينية فعلا وكانت قوية شديدة، ولكن لم تمح العصبية القبيلة، فظل المسلمون ينحازون في القتال إلى قبائل؛ ولما دون عمر ديوان الخراج بدأ بالعباس عم النبي

صلى الله عليه وسلم

ثم ببني هاشم ثم بمن بعدهم طبقة بعد طبقة، فراعى الاعتبار الديني والاعتبار القبلي معا، وفخرت القبائل بما هو لها من مواقف في قتال فارس والروم، وبما كان لهم في قتال المسلمين بعضهم بعضا، ورأينا جريرا والفرزدق والأخطل الأمويين يتهاجون بالقبائل: يفخر جرير على الأخطل بتميم وقيس على تغلب، ويعدد مفاخرهما وأيامهما، ويفخر الأخطل بتغلب على تميم، ويفخر جرير على الفرزدق بفرعه من تميم، ويفخر الفرزدق على جرير ببيته من تميم، ويعد كل مخازي الفرع الآخر، لا فرق في ذلك بينهم وبين الجاهليين. وعاش الأمويون عيشة عربية يقاتلون بالعصبية القبلية ويتخذونها سلاحا لهم؛ وهذا كله من غير شك يدعو إلى العناية بحفظ الأنساب، وكذلك كان؛ فلما خضع الفرس والروم للعرب انقسم الناس إلى قسمين: عرب وموال، فزاد ذلك في العصبية العربية والتمسك بها.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٩٨