تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيمن يتولى الخلافة، والخلاف بين عثمان وقاتليه، والخلاف بين علي وعائشة، وبين علي ومعاوية، وبين الأمويين وابن الزبير، وبين الأمويين والشيعة، وبين الأمويين ودعاة العباسيين، وبين العباسيين والعلويين، كلها كانت سببا في الاختلاف في العقائد بين المسلمين، هل الأئمة من قريش أو من الأمة كلها؟ وهل من علي ونسله أو من المسلمين جميعا؟ ومن ذلك نشأ الشيعة والخوارج وغيرهما، فاضطر كل فريق أن يدعم مذهبه بالأحداث التاريخية وتشريحها وتعليلها، فكانت أحداث التاريخ مرجعا للعقائد كما كانت في السبب الأول مرجعا للتشريع؛ ومن أجل هذا أيضا نرى في كتب الحديث أبوابا وفصولا في هذه المسائل التاريخية: ففصول في الخلافة والإمارة، وفصل في الأئمة من قريش، وفي من تصح إمارته، وفي طاعة الإمام، وفي أعوان الأئمة والأمراء، وفي فضائل الصحابة، وباب كبير في الفتن، وكله تأريخ للخلاف بين المسلمين من مقتل عثمان ووقعة الجمل، وقتال الخوارج وأمر الحكمين، وبيعة يزيد بن معاوية وابن الزبير والحجاج وبني مروان إلخ؛ وفيما نجد مصداق ما نقول من أنها أعدت لتكون منبعا يدعم به كل فريق عقائده في المسائل السياسية. (3)

وسبب ثالث دعا إلى رواية أخبار الفتوح والحرص عليها، وهو أن هذه الفتوح كان يسودها العصبية القبيلة بجانب العصبية الدينية، فكانوا في القتال ينحازون إلى قبائل، كل قبيلة لها مكانها في القتال، ولها لواؤها تقاتل عنه كما تقاتل عن الإسلام، وتفتخر كل قبيلة بنصرتها في بعض أيامها، فتميم أبلت بلاء حسنا في يوم كذا، وغيرها أبلى بلاء حسنا في يوم كذا، مما يعد مفخرة للقبيلة كأيامها في جاهليتها، وحرصت كل قبيلة أن تروي وقائعها وتتزيد فيها أحيانا، ويسلمها السلف إلى الخلف، فكان ذلك باعثا على حفظ الأخبار من طريق الرواية ومن طريق الأشعار؛ فالشعراء أيضا أخذوا مفاخر قبائلهم ونظموها في قصائدهم، وفخروا بها على خصومهم وضمنوها نقائصهم.

ولما تحولت العصبية القبيلة على عصبية بلدية تبعتها رواية الأخبار، ففخرت البصرة على الكوفة والكوفة على البصرة بالأحداث التاريخية - كما رأيت قبل - وفخرت تميم البصرة على تميم الكوفة، وفضلت قبائل البصرة من غير تميم على تميم الكوفة، وإن كانوا من دمها. (4)

وسبب رابع لرواية الأحداث، وهو ما في طبيعة الإنسان من تلذذ بالسمر، ومن خير أنواع السمر رواية الأخبار، وما يتصل به وبأصوله ورجاله من قتال وحروب وخصام وجدال، وهذا هو التاريخ.

بدءوا تاريخهم - شفويا - كما كانت كل نواة علم لهم شفوية؛ وبدأ الجيل الأول الذي شاهد هذه الحوادث واشترك فيها يرويها، وتحملها عنه الجيل الذي بعده، وقيد بعضهم منها أحاديث متفرقة كالذي نرى في كتب الحديث، حتى إذا جاء القرن الثاني رأينا قوما يبدءون في جمع أخبار الحادثة الواحدة، وضم بعضها إلى بعض، وتدوين ذلك في رسالة أو كتاب، وقد اشتهر من ذلك جماعة كان من أولهم: (1)

أبو مخنف لوط بن يحيى

بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي، كان جده مخنف صحابيا، وله بعض أحاديث في كتب السنن، ترجم له ابن حجر في «الإصابة في تمييز الصحابة»، وقال ابن النديم: «إن مخنفا هذا كان من أصحاب علي» ويظهر أن حفيده الذي نترجم له، قد ورث من جده التشيع؛ فقد قال فيه صاحب القاموس: «إن أبا مخنف أخباري شيعي تالف متروك» وقد ألف كتبا كثيرة، كل كتاب في موضوع من مسائل التاريخ الإسلامي إلا كتابا واحدا اسمه كتاب روستقباذ؛ وقد عدها ابن النديم وصاحب فوات الوفيات، وهي 33 كتابا، منها: كتاب الردة، وكتاب فتوح الشام، وكتاب فتوح العراق وكتاب الجمل، وكتاب صفين، وكتاب مقتل علي، وكتاب نجدة الحروري، وكتاب الأزارقة، وكتاب خالد بن عبد الله القسري إلخ؛ ويظهر أن كل كتاب شرح لمسألة، كأنه فصل من كتاب كبير، وقد عني بالخوارج وما يدور حول علي، وأكثر ما كتبه وألفه كان في الأحداث التي حدثت في العصر الأموي، ويظهر من كتابته أنه لا يضمر الميل إلى الأمويين لما علمت من تشيعه.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٩٦