صلى الله عليه وسلم
ومغازيه، وخصص الأجزاء الستة الأخرى لأخبار الصحابة والتابعين، متبعا في ذلك ترتيب الأمصار، فمن في مكة ومن في المدينة، ومن في البصرة والكوفة، ثم رتب علماء كل مصر حسب شهرتهم وزمنهم.
ومدحه كثير من المحدثين، فقال فيه الخطيب: «محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدل على صدقه، فإنه يتحرى في كثير من رواياته».
42
وتوفي ببغداد سنة 230، وهو أحد شيوخ المؤرخ الكبير «البلأذري». هؤلاء هم أشهر مؤرخي السير والمغازي من بدء التأليف فيها إلى نهاية العصر الذي نؤرخه،
43
ومنه نستطيع أن نستنتج النتائج الآتية: (1)
أن أكثر كتاب السيرة الأولين كانوا من أهل المدينة؛ لأن أكثر أحداث السيرة من تشريع مدني ومغاز كان والنبي
صلى الله عليه وسلم
فيها، وكان من حوله من أصحاب أعرف الناس بتلك الأخبار، فكانوا يحدثون بها ويروونها، وتناقلها عنهم التابعون ومن بعدهم حتى دونت، وبدأ التدوين في المدينة ونفق في العراق. (2)
كانت السيرة والمغازي جزءا من الحديث يرويه الصحابة كما يروون أحاديث الصلاة والصيام، وكان من بعدهم يرويها عنهم كما يروون أحاديث العبادات والمعاملات، ويصل بعضها ببعض؛ وعني بعض العلماء بهذه الناحية التاريخية كماعني غيرهم بأحاديث الأحكام، ثم أفردت بالتأليف، وضم إلى الحديث غيره من أخبار الجاهلية، وما في يد الناس من شعر. (3)
سلك المؤلفون الأولون في السيرة مسلك المحدثين الأولين، فمنهم من كان يعنى بالإسناد ومنهم من لم يعن به، واضطر ابن إسحق والواقدي وأمثالهما - مراعاة لسير الحوادث وأخذ بعضها برقاب بعض - أن يجمعوا الأسانيد ويجمعوا بعد ذلك المتن، من غير أن يفرزوا كل جزء من المتن بسنده، فهاجمهم المحدثون من أجل ذلك، ولكن عذر المؤرخون عنايتهم بعرض الحادثة كاملة في إيجاز تسهيلا على الكتاب والقراء. (4)
كل ما سبق أن ذكرناه في الحديث من دخول الوضع فيه، وتقسيمه إلى أقسام باعتبار صحته وضعفه ينطبق على السيرة والمغازي، فمن الرواة من كان ثقة صدوقا، ومنهم المتساهل في رواية الأخبار، ومنهم الوضاع، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. •••
وهناك ناحية ثانية اتجه إليها المؤرخون بجانب اتجاههم إلى السيرة، وهي تاريخ الحوادث الإسلامية من حروب بين بعض المسلمين وبعض، كوقعة الجمل ووقعة صفين، ومن حروب المسلمين مع الأمم الأخرى من فرس وروم وهنود وغيرهم، وما تبع ذلك من فتوح وأحداث؛ ويظهر لي أن الذي دعاهم إلى تقييد هذه الحوادث أمور: (1)
أنها مادة من مواد التشريع وأصل من أصوله، فأعمال عمر بن الخطاب وسيرته في البلاد المفتوحة اتخذت أساسا ونبراسا لمن جاء بعده من أئمة الفقهاء، من شئون الجهاد ومعاملة أهل الذمة، والخراج والعشر وما ذلك؛ كذلك كانوا مضطرين إلى أن يتتبعوا شئون الفتح ليعرفوا أي البلاد فتح ليعرفوا أي البلاد فتح صلحا، وأيها فتح عنوة؛ لما يترتب على ذلك من اختلاف في الجزية والخراج ونحوهما، وهذا ما دعا مؤرخي البلدان أن يعقدوا الفصول الطويلة في أول كتبهم يبينون فيه حال البلد في الفتح: هل فتحت صلحا أو عنوة؟ كالذي نرى في المقريزي نقلا عن المؤرخين الأولين، وكالذي نرى في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي؛ وهذا بعينه هو الذي دعا البلأذري أن يفرد في ذلك كتابه المشهور «فتوح البلدان»، ومصداق ذلك أنا نرى قسما كبيرا من أقسام الحديث يشمل هذه الأمور التاريخية، والحديث لا شك في أنه مصدر من مصادر التشريع، ففي كتب الحديث فصول وأبواب في أحكام القتال والغزو، وفي الأمان والهدنة، وفي الجزية وأحكامها، وفي الغنائم والفيء إلخ. (2)
وسبب آخر يتصل بهذا، وهو أن حوادث الخلاف بين المسلمين، كالذي كان بين المهاجرين والأنصار عقب وفاة النبي
صلى الله عليه وسلم