تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40

وللواقدي كتاب اسمه «التاريخ الكبير» مرتب على حسب السنين اقتبس منه الطبري كثيرا في تاريخه، وآخر ما اقتبس منه سنة 179.

وله كتاب الطبقات ذكر فيه الصحابة والتابعين مرتبين حسب طبقاتهم، ويظهر أن كاتبه «ابن سعد» قد حذا حذوه وسار في كتابه على منهجه .

ولم يبق لنا مما يصح من كتبه إلا كتاب المغازي، وقد ذكر في أوله شيوخه الذين أخذ عنهم مغازيه، ويبلغون نحو خمسة وعشرين، وكلهم تقريبا من أهل المدينة أو من سكانها، ومن هؤلاء من سبقنا فذكرنا علمهم الواسع بالسيرة كالزهري، ومعمر بن راشد، وأبي معشر، ولم يذكر ابن إسحق في هذه المجموعة، وإن كان في كتابه قد استخدم تآليفه، ومغازي الواقدي على ما يظهر أكثر إخبارا عن سيرة النبي في أيامه المدينة، وهو أميل في أخباره إلى الفقه والحديث من ابن إسحق، وهو يرجع أحيانا إلى كتب وصحف رآها واعتمد عليها، أو سمع عمن رآها، فيقول ابن سعد: قال الواقدي، حدثني عبد الله بن جعفر الزهري قال: وجدت في كتاب أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور. وقال محمد بن عمر (الوقادي): نسخت كتاب أهل «أذرح» فإذا فيه إلخ، ويمتاز عمن سبقه بالدقة في تعيين تاريخ الحوادث.

وكان الواقدي - كما رأينا - على اتصال بالعباسيين، وقد تأثر بهذه الصلة بعض الشيء في كتبه، في حذف اسم العباس من جملة أسماء من وقعوا أسرى في يد المسلمين يوم بدر، وأحيانا يكني عن العباس بفلان، ولا يصرح باسمه، ونحو ذلك.

وقد وقف في الواقدي المحدثون موقفهم من ابن إسحق من معدل ومجرح، وحكى أقوالهم أيضا على اختلافها الخطيب البغدادي، فكان يثق به مالك ولا يثق بابن إسحق، وكان يثق به محمد بن الحسن من الحنفية، ولقبه بعضهم بأمير المؤمنين في الحديث، ويثق به ابن عبيد القاسم بن سلام اللغوي الشافعي، ويقول: «الواقدي ثقة، كما كان يطعن عليه علي المديني ويقول: «عند الواقدي عشرون ألف حديث لم يسمع بها»، ويقول يحيى بن معين: أغرب الواقدي على رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، عشرين ألف حديث» وقال أحمد بن حنبل: «الواقدي يركب الأسانيد»، وقال الشافعي: «الواقدي وصل حديثين» أي لا يصح أن يوصلا.

والظاهر أن مطعن المحدثين عليه كمطعنهم علي ابن إسحق، فلم يكن يتقيد بمذهبهم من ناحيتين: أنه يأخذ من الصحف والكتب كما رأينا ، وكان ثقات المحدثين يكرهون هذا كل الكراهية، ولا يرون أن المحدث يصح له أن يحدث بحديث إلا أن يسمعه بأذنه ممن روي عنه. والثانية أنه كان يجمع الأسانيد المختلفة ويجيء بالمتن واحدا، مع أن جزءا من المتن لبعض الرواة وجزءا آخر لرواة آخرين، وكانوا يعدون هذا عيبا، ويعيبون هذا على الزهري وابن إسحق؛ وقد اعتذر هو عن هذا بأن الأمر يطول. فقد روي أنه لما طالبه تلاميذه بذلك جاءهم بغزوة أحد في عشرين جلدا لما اتبع طريقة إفراد كل حديث بسنده، فاستكثروا ذلك وقالوا: ردنا إلى الأمر الأول.

41

وأيا ما كان فقد كان الواقدي من أوسع الناس علما في عصره بالمغازي والسير، كما كان واسع العلم بالحديث والتفسير والفقه، وكان من أكبر المصادر التي عول عليها الطبري في تاريخه.

ابن سعد:

كان محمد بن سعد نفحة من نفحات الواقدي؛ فهو تلميذه وكاتبه يدون له كتبه وأحاديثه وما يشير به، وقد لقب من أجل ذلك «بكاتب الواقدي»، وخلف لنا كتابه الممتع «الطبقات الكبرى» في ثمانية أجزاء؛ وقد ولد بالبصرة سنة 168، وكان من الموالي، فآباؤه موال للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس. وقد رحل إلى المدينة وإلى بغداد، وبها اتصل بالواقدي، وألف كتبه من علمه، وله فضل الترتيب والزيادة على علم أستاذه أحيانا، فقد كمل ما كان ينقص الواقدي من أخبار الجاهلية واستعان فيها - غالبا - بهشام الكلبي كما استعان في مواضع أخرى بغير الواقدي من العلماء كابن إسحق وأبي معشر وموسى بن عقبة وغيرهم؛ وقد خصص الجزء الأول والثاني من كتابه «الطبقات» لسيرة رسول الله

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٩٤