وقد مات ببغداد سنة 152 أو سنة 153.
الواقدي - كان الثاني بعد ابن إسحق في سعة العلم بالمغازي والسير والتاريخ، وكان معاصره وأصغر منه سنا، وكان مولى مثله، فهو محمد بن عمر بن واقد الواقدي مولى بني هاشم، وقيل مولى بني سهم بن أسلم؛ وقد لقي كثيرا من الشيوخ وأخذ عنهم مثل معمر بن راشد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري؛ ومن أشهر شيوخه في التاريخ الذين يروي عنهم كثيرا أبو معشر السندي واسمه نجيح، كان من علماء المدينة، فلما قدم المهدي المدينة استصحب معه أبا معشر هذا إلى بغداد وأمر له بألف دينار، وقال له: «تكون بحضرتنا فتفقه من حولنا». ومات ببغداد سنة 170، وكان كثير العلم بالتاريخ والحديث، ففي الحديث يضعفه كثير من المحدثين، ويروون أنه اختلط في آخر عمره، وبقي قبل أن يموت سنتين في تغير شديد لا يدري ما يحدث به لكثرة المناكير في روايته؛ والبخاري يقول فيه: «إنه منكر الحديث»، ولكنهم لا يطعنون في سعة علمه بالمغازي، فيقول فيه أحمد بن حنبل: إنه بصير بالمغازي: وقد ألف كتابا فيها ذكره ابن النديم في الفهرست، اقتبس منه ابن سعد في كتابه الطبقات عند الكلام في السيرة، وكذلك الطبري.
فيظهر أن الواقدي استفاد كثيرا من علم أبي معشر في المغازي والتاريخ، كان تلميذه أيام كان في المدينة.
ولد الواقدي بالمدينة سنة 130 في خلافة مروان بن محمد، وسمع من شيوخها؛ ولما حج الرشيد (وربما كان ذلك سنة 170) زار المدينة فقال ليحيى بن خالد: «ارتد
33
لي رجلا عارفا بالمدينة والمشاهد، وكيف كان نزول جبريل (عليه السلام) على النبي
صلى الله عليه وسلم
ومن أي وجه، كان يأتيه، وقبور الشهداء؛ فسأل يحيى بن خالد، «قال الواقدي»: فكلهم دله علي، فبعث إلي فأتيته، وذلك بعد العصر، فقال لي: يا شيخ، إن أمير المؤمنين أعزه الله يريد أن تصلي عشاء الآخرة في المسجد، وتمضي معنا إلى هذه المشاهد فتوقفنا عليها؛ ففعلت، ولم أدع موضعا من المواضع ولا مشهدا من المشاهد إلا مررت بهما (يعني الرشيد ويحيى) عليه»،
34
ومنحاه مالا كثيرا، وطلب إليه يحيى بن خالد البرمكي أن يصير إليه في العراق إذا استقرت به الدار، ففعل، واتصل به فأغناه وأخلص في حبه فبعد نكبته كان إذا ذكر اسمه ترحم عليه الواقدي فأكثر الترحم. وخرج إلى الشام والرقة ثم رجع بغداد، فبقي بها حتى ولاه المأمون القضاء بعسكر المهدي،
35
و«كان المأمون يكرم جانبه ويبالغ في رعايته، فلم يزل قاضيا حتى مات ببغداد سنة 207 أو سنة 209».
عني الوقادي بالمغازي والسير والتاريخ الإسلامي عامة، ونبغ في ذلك؛ يقول فيه البغدادي: «وهو ممن طبق شرق الأرض وغربها ذكره، ولم يخف على أحد عرف أخبار الناس أمره، وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم من المغازي والسير والطبقات وأخبار النبي
صلى الله عليه وسلم
والأحداث التي كانت في وقته وبعد وفاته
صلى الله عليه وسلم ، وكتب الفقه، واختلاف الناس في الحديث وغير ذلك»
36
ويحدث هو عن نفسه فيقول: «ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا وسألته، هل سمعت أحدا من أهل يخبرك عن مشهده وأين قتل؟ فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه، ولقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعيانه».
37
وتخصص في تاريخ الإسلام، حتى كان لا يعرف كثيرا من أمور الجاهلية؛ وقال إبراهيم الحربي: «كان الواقدي أعلم الناس بأمر الإسلام، فأما الجاهلية فلم يعمل فيها شيئا»؛
38
وكان كثير الكتب، كثير التأليف، فروي أنه «كان له ستمائة قمطر كتب»، وانتقل من جانب من بغداد إلى جانب فحمل كتبه على عشرين ومائة وقر،
39
وقد عد له ابن النديم كتبا كثيرة ألفها أكثرها في التاريخ وقليلها في الفقه.
وقد كانت كتبه عمدة للمؤرخين بعده اقتبسوا منها ووصلت إلينا مقتبساتهم، ففي كتاب ابن حبيش في الغزوات أخبار كثيرة مقتبسة من كتاب الواقدي في الردة.