20
وقد لقي كثيرا من علماء المدينة وأخذ عنهم الحديث ، فسمع القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبان بن عثمان، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن هرمز، ونافعا مولى عبد الله بن عمر، وابن شهاب الزهري؛ وفي سنة 115 رحل إلى الإسكندرية وسمع من يزيد بن أبي حبيب، ثم عاد إلى المدينة، وكان يجمع الأحاديث وخاصة ما اتصل منها بالمغازي حتى اشتهر بها. وروي عن الشافعي أنه قال: «من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحق».
21
وقد عاداه في المدينة عالمان كبيران: هشام بن عروة بن الزبير، ومالك بن أنس؛ فأما عداء هشام فسببه أن ابن إسحق روى بعض أخباره عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر، وفاطمة هذه هي زوجة هشام بن عروة، فلما بلغ هشاما ذلك أنكره وقال: «ألعدو الله الكذاب يروى عن امرأتي؟ من أين رآها؟»
22
ودافع بعض العلماء عن ابن إسحق، فقد روي عن أحمد بن حنبل أنه قال: «وما ينكر هشام؟ لعله جاء فاستأذن عليها فأذنت له، وهو لم يعلم»؛
23
سيما وقد كان من المألوف في هذا العصر أن يروي الرجال عن النساء. فقد رأينا قبل أن عبد الله بن أبي بكر يروي عن امرأته فاطمة بنت عمارة، ويدعوها لأن تقص على ابن إسحق خبرا، هذا إلى أن فاطمة بنت المنذر كانت متقدمة في السن أيام محمد ابن إسحق، فقد ولدت سنة 48ه، فهي أسن منه بنحو 37 سنة.
وأما عداء مالك فله سببان: الأول ما تقدم من أن ابن إسحق كان يطعن في نسب مالك بن أنس، ويروي أنه هو وأهله من موالي بني تميم بن مرة؛
24
والثاني أنه كان يطعن في علم مالك ويقول: «ائتوني ببعض كتبه حتى أبين عيوبه، أنا بيطار كتبه»؛
25
فكان مالك يقول فيه: «إنه دجال من الدجاجلة»، وكان يقول: نحن نفيناه عن المدينة،
26
وكان يقول: «محمد بن إسحق كذاب». على كل حال وقف فيه علماء المدينة موقفين مختلفين، فكان هشام ومالك يجرحانه، وكان ابن شهاب الزهري وغيره يثنون عليه . وقد اتهم بالتشيع والقول في القدر؛ فلما قامت الدولة العباسية رحل إلى العراق، فنزل الكوفة والجزيرة والري وبغداد، واتصل بالمنصور، وطلب منه أن يصنف كتابا لابنه المهدي منذ خلق الله آدم إلى يومه ففعل، فاستطاله المنصور فاختصره في هذا الكتاب المختصر، وألقي الكتاب الكبير في خزانة المنصور.
27
وقد ألف كتابه المغازي من مجموعة الأحاديث والأخبار التي سمعها من المدينة والتي سمعها من مصر، كما يدل على ذلك ما بين أيدينا من الكتاب. والظاهر أنه قد جمع كتابه قبل أن يرحل إلى العراق؛ إذ ليس فيه من أثر لأحاديثه، وقد بحث بعض المستشرقين في احتمال تأثر ابن إسحق بالعباسيين لاتصاله بالمنصور، وذكروا مثلا على ذلك موقف العباس في غزوة بدر «وهو جد العباسيين»، فقد ذكر مثلا ابن إسحق أنه حارب في بدر مع المشركين، ولكنه لطف ذلك فزعم أنه كان مكرها، وروى في ذلك حديثا عن ابن عباس عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أنه قال: «من لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنما خرج مستكرها»، ورد عليه آخرون بأن بعض تلاميذ ابن إسحق في المدينة وهو إبراهيم بن سعد روى عنه خبرا كهذا قبل اتصاله بالعباسيين.
28
ألف ابن إسحق كتابه المغازي، وهو أول كتاب وصل إلينا في السيرة من بين المؤلفين الأولين الذين ذكرناهم، وإن كان قد وصلنا مختصرا في سيرة ابن هشام
29
المتوفى سنة 218، وقد تلقى ابن هشام السيرة عن زياد بن عبد الله البكائي المتوفى سنة 183 عن ابن إسحق.
وتنقسم مغازي ابن إسحق إلى ثلاثة أقسام: «المبتدا» و«المبعث» و«المغازي» فالمبتدا يبحث في تاريخ الوحي قبل الإسلام، والمبعث في حياة النبي
صلى الله عليه وسلم
في مكة، والمغازي في حياته في المدينة؛ وقد اختصر ابن هشام هذه السيرة ونص على ما فعله فيها فقال: «وأنا إن شاء الله مبتدئ هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم ومن ولد رسول الله