تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة، قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت». وكان مع اتصاله بخلفاء بني أمية لا يجاريهم إن أرادوا إفساد العلم، فقد أراد هشام بن عبد الله أن يقول في قوله تعالى:

والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ، إن الذي تولى كبره هو علي بن أبي طالب، فأبى وقال: هو عبد الله بن أبي بن سلول، فقال له هشام: كذبت هو علي، فقال الزهري: «أنا أكذب؟ فوالله لو ناداني مناد من السماء إن الله أحل الكذب ما كذبت، حدثني سعيد بن المسيب وعروة وعبد الله وعلقمة بن وقاص عن عائشة أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي» وروى الأغاني عن ابن شهاب الزهري أنه قال: «قال لي خالد بن عبد الله القسري: اكتب لي النسب، فبدأت بنسب مضر وما أتممته، فقال: اقطعه قطعه الله مع أصولهم، واكتب لي السيرة، فقلت له: فإنه يمر بي الشيء من سيرة علي بن أبي طالب فأذكره، فقال: لا! إلا أن تراه في قعر الجحيم».

13

وقد نقلت إلينا مجموعة مما رواه في كتب الحديث، ونقل ابن سعد عنه كثيرا من أخبار المغازي في كتابه. وقد مات سنة 124.

وكان كثير من هؤلاء الرواة للسيرة يسمعون للشعر ويشاركون فيه، ويجدون متعة في روايته، فابن أبي بكر بن حزم يفضل حسان بن ثابت الأنصاري على الفرزدق في حكاية طويلة،

14

وابن شهاب الزهري كان «يحدث ثم يقول هاتوا من أشعاركم فإن الأذن مجاجة وللنفس حمضة»،

15

فلعل ميل هؤلاء الأولين إلى الشعر وشغفهم به هو السبب في إدخال بعض الشعر في ثنايا السيرة.

وجاءت بعد هؤلاء طبقة أخرى عاشت في العصر العباسي، أشهرهم موسى ابن عقبة، ومعمر بن راشد، وابن إسحق والواقدي.

فأما

موسى بن عقبة

فمولى للزبيريين، ولعله استفاد من هذه الصلة بعض علمه، وقد رأينا قبل أن من أشهر علماء المغازي عروة بن الزبير وابنه هشام، وقد عني موسى وأخواه إبراهيم ومحمد بمدارسة العلم في مسجد المدينة، واشتهروا ثلاثتهم بالفقه والحديث وعرف أصغرهم موسى بالمغازي، حتى قال فيه مالك بن أنس: «عليكم بمغازي ابن عقبة وهي أصح المغازي»؛

16

وكانت سيرته التي كتبها مختصرة موجزة، كما يروي الرواة، وصل إلينا منها بعض مقتطفات، ونجد ابن سعد ينقل عنه بعض الأخبار، كما ينقل عنه الطبري بعض أخبار السيرة وبعض أخبار الخلفاء الراشدين وبني أمية، وينقل عنه الأغاني أخبار زيد بن عمرو،

17

الذي كان يتأله في الجاهلية، ويروي موسى بن عقبة أن كريب بن أبي مسلم مولى عبد الله ابن عباس وضع عنده حمل بعير من كتب ابن عباس.

18

وقد مات موسى سنة 141.

وأما

معمر بن راشد ، فكذلك كان من الموالي، كان مولى للأزدي، وقد ولد ونشأ بالبصرة ثم رحل إلى اليمن، وظل ينتقل بين اليمن والبصرة، وكان عظيم الخلق، يصفه ابن سعد فيقول: «كان معمر رجلا له حلم ومروءة ونبل في نفسه»، كما كان واسع العلم بالحديث والسير. وقد ذكر ابن النديم في الفهرست أن له من الكتب «كتاب المغازي» - ولم يصل إلينا، وإنما وصل من مقتطفات في الواقدي وابن سعد والطبري والبلاذري - وأكثر ما يقوله معمر ينسبه إلى الزهري، وقد كان شيخه. وقد مات بصنعاء سنة 150 أو سنة 152.

فإن نحن وصلنا إلى ابن إسحق والواقدي فقد وصلنا إلى أكبر مؤرخي العصر العباسي الأول، ومن كان عليهما يعتمد أكثر المؤرخين الذين جاءوا بعدهما.

ابن إسحق : هو محمد بن إسحق بن يسار، وكان كذلك من الموالي أسر جده يسار في عين التمر في العراق، ووجه إلى المدينة وكان مولى لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وهو من أصل فارسي.

19

وقد نشأ محمد بن إسحق في المدينة، والراجح أنه ولد نحو سنة 85، وقد اتهم بأنه في شبابه كان يغازل النساء، ورفع أمره إلى والي المدينة «فأمر بإحضاره، وكان حسن الوجه، فضربه أسواطا ونهاه عن الجلوس في مؤخر المسجد».

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٩٠