تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم جاءت بعد هؤلاء طبقة أخرى عنيت بالمغازي من أشهرهم: (1) عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (2) وعاصم بن عمر بن قتادة (3) والزهري. فأما عبد الله فكان جده الأعلى عمرو بن حزم من كبار الصحابة، بعثه رسول الله إلى أهل اليمن ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وجده محمد بن عمرو مات يوم الحرة، وكان معروفا بالتقوى، وأبوه أبو بكر كان قاضي المدينة لما كان عمر بن عبد العزيز واليا عليها، وضم إليه سليمان ولاية المدينة، وظل فيها في خلافة عمر. وروي عن مالك أنه قال: «لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن حزم»، وهو الذي كتب إليه عمر بن عبد العزيز يطلب إليه أن يجمع الحديث. وقد خلف أبو بكر ولدين محمدا وعبد الله الذي نترجم له، فمحمد كان قاضيا على المدينة، وكان يخرج في قضائه عن الحديث أحيانا إلى العمل بما أجمع عليه أهل المدينة، ويأبى عليه أخوه عبد الله إلا أن يتبع الحديث.

وقد نقلت عن عبد الله هذا أخبار كثيرة ذكرها ابن إسحاق والواقدي وابن سعد والطبري، ورويت له أخبار تتعلق ببدء حياة النبي

صلى الله عليه وسلم ، ووفود القبائل إلى رسول الله، وأخبار في حروب الردة إلخ. ففي سيرة ابن هشام: «قال ابن إسحق، وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن امرأته فاطمة بنت عمارة عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن عائشة كذا». وفي الطبري عن محمد بن إسحق أنه «دخل على عبد الله بن أبي بكر، فقال لامرأته فاطمة: حدني محمدا ما سمعت من عمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: سمعت عمرة تقول، سمعت عائشة تقول إلخ» ويروي الطبري: عن محمد بن إسحق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كان جميع ما غزا رسول الله

صلى الله عليه وسلم

بنفسه ستا وعشرين غزوة: أول غزوة غزاها ودان، ثم غزوة بواط إلخ. وعلى الجملة فقد كان عبد الله بن أبي بكر عظيم الأثر في كتب السير والمغازي، وكان له من بيته العظيم في الأنصار، وتزوجه بقاطمة التي تروي عن عمرة التي تروي عن عائشة ما يسر له جمع الأحاديث التي تتصل بالمغازي.

وأما

عاصم بن عمر

بن قتادة الظفري

10

فمدني من الأنصار، كان جده قتادة أنصاريا شهد مع الرسول غزوة بدر، وابنه عمر بن قتادة روى الأخبار عن أبيه وبلغها ابنه عاصما، واتصل عاصم هذا بعمر بن عبد العزيز، وقال فيه ابن سعد: «كان راوية للعلم، وله علم بالمغازي والسير، أمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق فيحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة ففعل». أرخ بعضهم موته بسنة 120 وبعضهم بسنة 129، وكان مصدرا من المصادر التي اعتمد عليها ابن إسحق والواقدي.

وأما

ابن شهاب الزهري

فمكي، كما يدل عليه نسبه إلى بني زهرة، فهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، حارب جده عبد الله بن شهاب مع المشركين يوم بدر «وكان أحد النفر الذي تعاقدوا يوم أحد لئن رأوا رسول الله ليقتلنه أو ليقتلن دونه»،

11 «وكان عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شج رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في جبهته»،

12

وأبو مسلم «كان مع ابن الزبير على الأمويين» واتصل محمد بن شهاب الزهري بعد ذلك بالأمويين، عبد الملك وهشام، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وكان يستوطن الشام ويتردد على الحجاز ويصاحب الخلفاء، حتى قال فيه مكحول: «أي الرجل الزهري، لولا أنه أفسد نفسه بصحبة الملوك».

وكان ابن شهاب الزهري من أسبق الناس إلى تدوين علمه على حين أن علماء زمنه كثيرا ما يتحرجون من ذلك، قال الزهري: «مانشر أحد من الناس هذا العلم نشري ولا بذله بذلي»، وقد كان مجدا في جمع الحديث وتدوينه قال: «أدركت من قريش أربعة بحور: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبا سلمة ابن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة». وقالوا: «كان الزهري يأتي المجالس من صدورها ولا يأتيها من خلفها، ولا يبقى في المجلس شابا ولا كهلا، ولا عجوزا ولا كهلة إلا سألهم، حتى يحاول ربات الحجال» وكان يدون ذلك كله. قال صالح بن كيسان: «كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال: تعال نكتب السنن، قال: فكتبنا ما جاء عن النبي

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٨٩