51
ورووا عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أنه تلا هذه الآية
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم
فقالوا من يستبدل بنا؟ فضرب
صلى الله عليه وسلم
على منكب سلمان. ثم قال: «هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لناله رجال من فارس.» وهو الذي قيل فيه: سلمان منا أهل البيت، وهو الذي أشار على النبي
صلى الله عليه وسلم
بحفر الخندق. ومن ذلك الحين عرف العرب كيف يستعملون الخنادق في الحروب؛ فهم في ذلك مدينون للفرس. وعلى الجملة فقد اتخذه الفرس وسيلة لبيان عظمتهم، وأن لهم فضلا كبيرا على المسلمين.
52
وكان للشعوبية مجال فسيح في الحديث، فقد وضعوا الأحاديث الكثيرة في فضل الفرس، وأسندوها إلى الثقات من الصحابة والتابعين؛ مثل ما روي أن الأعاجم ذكرت عن رسول
صلى الله عليه وسلم
أنه قال: «لأنا ببعضهم أوثق مني بكم.» وفي رواية «لأنا ببعضهم أوثق مني ببعضكم.»
53
وفي حديث آخر: «سيأتي ملك من ملوك العجم فيظهر على المدائن كلها إلا دمشق.»
54
وفي حديث «لا تسبوا فارسا فما سبهم أحد إلا انتقم منه عاجلا أو آجلا.» «ورأى النبي
صلى الله عليه وسلم
كأنه ردفه غنم سود، فردفته غنم بيض، ما يرى السود فيها لكثرتها، فأخبر النبي بذلك أبا بكر فقال: السود العرب ويسلمون، والبيض العجم يسلمون بعدهم، حتى ما يرى فيهم العرب لكثرتهم. فقال
صلى الله عليه وسلم
بذلك أخبرني الملك سحرا»
55
ومن هذا القبيل ما وضعوه من الأحاديث الكثيرة حول الإمام أبي حنيفة الفارسي الأصل، يزعمون أن النبي
صلى الله عليه وسلم
أشار بها إليه أو نص عليه؛ كالذي روى: لو كان العلم معلقا عند الثريا لتناوله رجل من فارس، وكالذي رووا: أن آدم افتخر بي وأنا أفتخر برجل من أمتي اسمه نعمان، وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي. ورووا أن النبي
صلى الله عليه وسلم
قال: «إن سائر الأنبياء يفتخرون بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني.»
56
والحق إن العرب ومن تعصب لهم قابلوا عملهم بمثله، فوضعوا الأحاديث الكثيرة في تفضيل العرب، ووجوب حبهم، مثل: «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودتي.» ومثل: «إذا اختلف الناس فالحق في مضر.» ومثل: «أحبوا العرب لثلاث؛ لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة في الجنة عربي.» ومن ألطف ذلك أنهم رووا حديثا للنبي
صلى الله عليه وسلم
مع سلمان الفارسي نفسه، ذلك أن رسول الله قال: «يا سلمان لاتبغضني فتفارق دينك. قال: قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك وبك هداني الله؟! قال: لا تبغض العرب فتبغضني.» ... إلخ.
57
وتعاليم الإسلام التي تدعو إلى المساواة، وتعلم أن الفضل ليس إلا بالتقوى؛ تأبى مدح الفرس أو العرب أو أي أمة لجنسيتها.
ونكاد نجد إصبع الشعوبية في كل علم حتى في الفقه؛ فلو قرأت مثلا باب الكفاءة في الزواج، لرأيت أن الأئمة أنفسهم لم تؤثر فيهم العصبية أي أثر، فالإمام مالك العربي لم يعتبر الكفاءة، وعنده أن العجمي يتزوج العربية من غير أن يكون للولي حق الاعتراض، ومذهب أبي حنيفة الفارسي يعتبر الكفاءة؛ فالقرشيون
58
أكفاء لبعض، وليس غير القرشي كفئا لهم، والعجمي ليس كفئا للعربية. ولكن سرعان ما نجد نظرية توضع على بساط البحث يهدم بها الجزء الأكبر من العصبية العربية، وهي: «شرف العلم فوق شرف النسب.» قال قاضيخان: «الحسيب يكون كفئا للنسيب، فالعالم العجمي يكون كفئا للجاهل العربي والعلوية، لأن شرف العلم فوق شرف النسب.»
59
وقالوا: «وكيف يصح لأحد أن يقول إن مثل أبي حنيفة أو الحسن البصري وغيرهما ممن ليس بعربي لا يكون كفئا لبنت قرشي جاهل، أو لبنت عربي بوال على عقبيه؟!»
60
ويطول بنا القول لو عددنا أثر الشعوبية في كل علم.
ومما نأسف له أن الشعوبية أزهرت في عصر تدوين العلوم، وكل حركة علمية كانت بعد إنما أسست على ما دون في هذا العصر العباسي الشعوبي، ولم يكن لنا علم مدون قبل ذلك، وهذا يجعل استكشاف الآثار الشعوبية صعبا غامضا، فلو كان لدينا تاريخ مدون في العصر الأموي لفهمنا كيف تلاعب به الشعوبيون في العصر العباسي، ولو كان لدينا تاريخ للفرس موثوق به دون أثناء حكم الفرس؛ لأدركنا في وضوح كيف جمله الشعوبيون. ولو كان العرب في العصر الإسلامي الأول وضعوا كتبا في الأنساب ومناقبها ومثالبها ووصلت إلينا لعرفنا ما اختلقه الشعوبيون عليهم لإفساد أنسابهم، والحط من شأنهم، وهكذا في كل العلوم. ولكن قدر أن يقترن تدوين العلم بسطوة الشعوبية، فكان ذلك من سوء حظ العلم، ولذلك أجهد العلماء أنفسهم في تعرف أسرار الشعوبية، وخفاياها وآثارها في العلم، وما يزال المدى أمامهم فسيحا، والبحث في مهده.