تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع هذا فقد كان للشعوبية جانب حسن؛ فقد أتت الشعوبية وكل شيء للعرب يمجد، من نسب عربي، ولغة عربية، ورأي عربي، وعادات عربية، فأخذ الشعوبيون يعرضون هذا للنقد والتحليل؛ عرضوا أنساب العرب للنقد ، كالذي فعل أبو عبيدة مع غلوه، فكان يرد على قوم ينتسبون للعرب، فيبين أن النسبة كاذبة مختلقة، وفي كتاب الأغاني عن أبي عبيدة من هذا الشيء الكثير، وعرضوا اللغة العربية للنقد؛ فسيبويه في كتابه النحو يخطئ العرب في بعض أقوالهم، ويدعي العرب أن البلاغة ليست إلا فيهم، فيرد الشعوبية بأن هناك أمما أخرى لها بلاغة ولها خطب، ولها حكم لا تقل عما للعرب، وينبهون على أن عادات العرب ليست المثل الأعلى للعادات؛ ففيها الحقير المرذول، والجيد المحمود، كل هذا النقد وأمثاله استتبع نتيجة جيدة من بعض الوجوه، وهي: عرض ما للأمم الأخرى من كل ذلك لتكون المقارنة أتم، فتعرض الكلمات الفارسية بجانب الكلمات العربية، والحكم الأجنبية والبلاغة الأجنبية بجانب البلاغة والحكم العربية، والنظام الفارسي والأدب الأجنبي بجانب النظام والأدب العربيين، ونحو ذلك، وهذا من غير شك مفيد للعلم والعقل.

نعم، لو وقفت الشعوبية عند هذا الحد فلم يتهجوا على العرب بقلب محاسنهم مساوئ، والتشهير بهم بالحق حينا، وبالباطل أحيانا، ولم يحاولوا إفساد الدين بالزندقة، وإفساد العلم بالأكاذيب، ولو وقفوا عند ذلك لأحسنوا، ولكنهم أفرطوا فخسروا كثيرا وكرهوا ومقتوا كثيرا.

الفصل الرابع

| الرقيق وأثره في الثقافة

قبل أن نتكلم في الرقيق وأثره، يجب أن نبين في كلمة موجزة موقفه القانوني في المملكة الإسلامية، وبعبارة أخرى ما كان يطبق من الأحكام الإسلامية عليه.

تقضي تعاليم الإسلام - أو على الأقل المبادئ التي استنبطها الأئمة من أصول الأحكام، وجرى عليها العمل حتى عصرنا الذي نؤرخه - بأن «سبب الرق: وقوع الكافر أسيرا في يد المسلمين عند الحرب»، فإذا حارب المسلمون الكافرين فمن أسر من المحاربين منهم جاز للإمام أن يسترقه، كما يجوز له أن يسترق أهل البلد الذي فتح في الحرب، رجالا كانوا أو نساء.

1

وهذا الكفر والوقوع في الأسر هما سببا الرق، ولا يشترط لأجل بقاء الرق بقاء سببه؛ فلو وقع كافر في الأسر فاسترق ثم أسلم لا يزول عنه الرق.

2

وهذا الرقيق يعد مالا، شأنه في ذلك شأن المتاع، فمن استرق في الحرب عد جزءا من الغنيمة كالآلات الحربية، وكالنقود وكالخيل. وعلى الجملة مثله كمثل كل شيء مقوم وقع في يد الفاتحين، وشأن هذه الأشياء أن الإمام ينقلها إلى دار الإسلام، ثم يأخذ خمسها يصرفه في الصالح العام؛ من إعطاء للفقراء والمساكين، وصرف في وجوه البر المختلفة، وأما أربعة الأخماس فتوزع على من اشترك في القتال، والرقيق يفعل به ذلك، فخمسه للصالح العام، والباقي يقسم على المقاتلين. وقد ميزوا عند القسمة على المحاربين بين الفارس والراجل، وبعبارة أخرى بين الخيالة والرجالة؛ فجعل للفارس سهمان في قول بعض الفقهاء، وثلاثة في قول بعضهم، وللراجل سهم واحد، على هذا النمط الذي أبنا كان يوزع الرقيق.

وإذا كانت الحروب في صدر الإسلام تكاد تكون دائمة، وكان النصر للمسلمين يكاد يكون متلاحقا مطردا، والبلاد المفتوحة والأمم المغلوبة لا تكاد تعد؛ أمكننا أن نتصور كيف كان الرقيق لا يحصى كثرة، وكيف كان مختلفا متنوعا تنوع الأمم التي اشتبك معها المسلمون في قتال. وإذا كنا أبنا كيف يوزع الرقيق؛ فهمنا كيف انتشر بين المحاربين، ودخل في بيت كل منهم، وإذا كان الرقيق يعد مالا، وتجري عليه كل العقود المالية من بيع وشراء وإجارة ورهن؛ أمكننا أن نفهم أنه لم يقتصر على المحاربين، بل كان في متناول أيدي الناس جميعا، وكان له سوق يشتري منه من شاء، ويستخدمه كما شاء! •••

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٠