42
وليس للعرب حرمة في نفسه؛ إذ ليس بعربي، بل في نفسه الكراهة لهم، فهو يطلق لسانه في هجوهم، وذكر مثالبهم. وقد استغوى الناس بسعة اطلاعه، كما استغوى الناس الأصمعي بفصاحته وحسن بيانه. قال الجاحظ: لم يكن في الأرض خارجي ولا إجماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة.
43
وقالوا: «إن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدر، وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة اشتروا الدر في سوق البعر! لأن الأصمعي كان حسن الإسناد والزخرفة لرديء الأخبار والأشعار حتى يحسن عنده القبيح، وإن الفائدة مع ذلك عنده قليلة. وإن أبا عبيدة كان معه سوء عبارة، مع فوائد كثيرة، وعلوم جمة.»
44
ويظهر أن كلا من الأصمعي وأبي عبيدة كان في عصره يمثل فكره؛ فالأصمعي يمثل العربية، والتعصب لها، وحب العرب وإجلالهم والإشادة بذكرهم، وأبو عبيدة يمثل فكرة الشعوبية، والبحث عن معايب العرب والتشهير بهم. وكان كل زعيما، يلتف حوله من يؤيدون فكرته، ويناصرونه ويتعصبون له؛ العرب حول الأصمعي، والفرس حول أبي عبيدة، فنرى إسحاق بن إبراهيم الموصلي (وهو فارسي) يقول للفضل بن الربيع:
عليك أبا عبيدة فاصطنعه
فإن العلم عند أبي عبيدة
وقدمه، وآثره عليه،
ودع عنك القريد بن القريدة!
45
ويقول أبو الفرج الأصفهاني: إن إسحاق الموصلي «كشف للرشيد معايب الأصمعي، وأخبره بقلة شكره وبخله وضعة نفسه، وأن الصنيعة لا تزكو عنده، ووصف له أبا عبيدة بالثقة والصدق والسماحة والعلم، وفعل مثل ذلك للفضل بن الربيع، واستعان به، ولم يزل حتى وضع مرتبة الأصمعي وأسقطه عندهم، وأنفذوا إلى أبي عبيدة من أقدمه.»
46
ونجد أبا نواس - ونزعته الفارسية لا تنكر - يقدم أبا عبيدة على الأصمعي، ويقول: «أما أبو عبيدة فإنهم إن أمكنوه قرأ عليهم أخبار الأولين والآخرين، وأما الأصمعي فبلبل يطربهم بنغماته.» ونجد الأصمعي من ناحية أخرى يذم البرامكة، ويقول:
إذا ذكر الشرك في مجلس
أضاءت وجوه بني برمك
وإن تليت عندهم آية
أتوا بالأحاديث عن مزدك
وأبو عبيدة يشيد بذكر الفرس، ويؤلف كتاب «فضائل الفرس»، ويؤلف كتابا في أخبار الفرس يصف فيه طبقات ملوكهم ممن سلف وخلف، وأخبارهم وخطبهم، وتشعب أنسابهم، وما بنوه من المدن وكوروه من الكور، واحتفروه من الأنهار، وأهل البيوتات منهم، وما وسم به كل فريق من السهارجة وغيرهم.
47
ومن آثار الشعوبية أنهم لونوا ما رووا من تاريخ الفرس لونا زاهيا جميلا، ونسبوا إلى ملوكهم الحكم الرائعة، والسياسة الحكيمة، وكسوه أبهة وعظمة بالغوا فيهما، وزعموا أن الفرس من ولد إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، والعرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وإسحاق ابن سارة الحرة، وإسماعيل ابن هاجر الأمة؛ فهم أفضل من العرب لأنهم بنو الأحرار، وأما العرب فبنو اللخناء.
48
وهي دعوى غير صحيحة علميا، وإنما وضعت ليرفع الفرس من شأنهم، وليفخروا بها على العرب، كما زعموا أن سابور سمي ذا الأكتاف؛ لأنه أوقع بالعرب في العراق، وخلع أكتافهم.
49
وأغرب من ذلك ما اخترعه شعوبية النبط من حديث نسبوه إلى علي بن أبي طالب؛ فقد رووا أن رجلا سأله فقال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن أصلكم معاشر قريش. فقال: نحن قوم من نبط كوثى، ورووا عن ابن عباس أنه قال: نحن معاشر قريش من النبط من أهل كوثى! وفي رواية أخرى عن علي أنه قال: من كان سائلا عن نسبتنا فإنا نبط من كوثى.
50
وقد أتعب العلماء أنفسهم في تفسير هذه الأحاديث، فقال بعضهم إنهما أرادا التبرؤ من الفخر بالأنساب، وقال قوم إن كوثى اسم من أسماء مكة، ولو أنصفوا لأراحوا أنفسهم من تأويل هذا الهذيان.
واستغل الفرس سلمان الفارسي استغلالا عظيما، فرووا له من الزهد والحكمة والعلم ما لم يرو لأي صحابي آخر، حتى جعلوا عمره فوق أعمار الناس؛ فقيل إنه أدرك عيسى (عليه السلام) وروى أبو الشيخ في طبقات الأصفهانيين أن أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلثمائة وخمسين سنة، فأما مائتان وخمسون فلا يشكون فيها!