3
وكان عروة كثير الحديث ثقة فيما يرويه، وكان يدون علمه، قال هشام بن عروة: «أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له، فكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب إلى من أن يكون لي مثل أهلي وولدي»،
4
وقد رحل من المدينة إلى مصر وأقام بها سبع سنين. روى البلاذري عن عروة قال: أقمت بمصر سبع سنين وتزوجت بها، فرأيت أهلها مجاهيد قد حمل علهيم فوق طاقتهم، وإنما فتحها عمرو بصلح وعهد وشيء مفروض عليهم؛
5
ويذكر ابن سلام في طبقات الشعراء أن عروة بن الزبير كان بمصر عندما خلع عبد الله بن الزبير يزيد بن معاوية،
6
وبعد مقتل عبد الله كان عبد الملك يعامل عروة في إجلال واحترام، فيروي الأغاني أن عروة «قدم على عبد الملك بن مروان، فأجلسه معه على السرير، فجاء قوم فوقعوا في عبد الله بن الزبير، فخرج عروة فقال للآذن: إن عبد الله بن الزبير ابن أبي وأمي، فإن أردتم أن تقعوا فيه فلا تأذنوا لي عليكم»
7 - وكان عروة أحد الفقهاء العشرين الذين استعان بهم عمر بن عبد العزيز أيام إمارته على المدينة (من سنة 87 إلى سنة 93) - وعد عروة أحد الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم العلم بالمدينة، وقد مكنه نسبه من أن يروي الكثير من الأخبار والأحاديث عن النبي
صلى الله عليه وسلم
وحياة صدر الإسلام، فروى عن أبيه الزبير وأمه أسماء، وروى الكثير عن خالته عائشة.
وكان أكبر الرواة عنه ابن هشام بن عروة، وابن شهاب الزهري؛ ووصلت إلينا كثير من روايات عروة وأحاديثه في كتب ابن إسحق والواقدي والطبري، فرويت عنه أخبار الهجرة إلى الحبشة وأخبار الهجرة إلى المدينة، وغزوة بدر إلخ، وكثير مما روي عنه كان إجابة عن أسئلة وجهت إليه من عبد الملك بن مروان والوليد وغيرهما. ويدل ما وصل إلينا من إجابته على أنه كان يجيب في المغازي من أحاديث جمعها.
وعلى الجملة فكتب السيرة الأولى التي وصلت إلينا كابن هشام وابن سعد والطبري مدينة في جزء كبير منها لما رواه عروة بن الزبير.
والثالث
شرحبيل بن سعد ، مولى الأنصار، وقد عمر أكثر من مائة سنة ومات سنة 123، وقد روى كثيرا عن زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة، وقد روي عنه أنه كتب «ثبتا» بأسماء من هاجر من مكة إلى المدينة، وأسماء من اشتركوا في غزوة بدر وغزوة أحد، وقال سفيان بن عيينة: إن أحدا لم يعرف المغازي وغزوة أحد معرفته؛ ولكن لم يكن من الثقة بحيث كان أبان وعروة، فابن سعد يقول فيه: «إنه بقي إلى آخر الزمان حتى اختلط، واحتاج حاجة شديدة، وله أحاديث وليس يحتج به»؛
8
وقد رووا أن الناس تحاموه لأنه كان إذا نزل بأحد فلم يصله، قال له إن أباك لم يشهد بدرا، ولذلك لم يرو عنه ابن إسحق والواقدي شيئا، ولكن ابن سعد روى عنه خبرا في انتقال النبي
صلى الله عليه وسلم
من قباء إلى المدينة.
9
والرابع
وهب بن منبه ، وقد مضى القول فيه كثيرا، والذي يهمنا الآن أخباره في السيرة، وقد ذكر صاحب «كشف الظنون» عند كلامه في علم المغازي والسير: «يقال أول من صنف في المغازي عروة ابن الزبير، وجمعها أيضا وهب بن منبه»، وكتاب السير الأولون لا يسندون إليه شيئا في كتبهم، ولكن عثر على قطعة من كتابه في المغازي، وهي الآن في مدينة «هيدلبرج» في ألمانيا وكتبت سنة 228ه وراويها «محمد بن بكر عن أبي طلحة عن عبد المنعم عن أبيه عن أبي إلياس عن وهب»، وفي هذه القطعة لا يستعمل الإسناد، وهذه عادة وهب، وقد ذكر فيها «العقبة الكبرى» واجتماع قريش في دار الندوة، وهجر النبي
صلى الله عليه وسلم
إلخ. ولا يتبين من هذه القطعة إن كان وهب قد أدخل في المغازي شيئا من معارف أهل الكتاب، وقد كان عارفا بها مطلعا فيها.
هؤلاء الأربعة هم الدعامة الأولى في كتابة المغازى، ونرى من أخبارهم أن ثلاثة منهم، وهم أبان وعروة وشرحبيل، الأولان من خير بيوتات قريش وأشرفها: أبان وعروة، والثالث مولى من موالي الأنصار، وطبيعي أن تكون المدينة أهم مصدر المغازي؛ فقد وقعت أكثر الأحاديث تحت أعين أهلها، وأما وهب فقد ذكروا أنه من أهل الكتاب الذين أسلموا، وأنه يمني من أصل فارسي قد اعتد في أخباره على ما روى عن عباس وجابر وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وعلى ما قرأ من كتب أهل الكتاب.