تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأيا ما كان فمما يلفت النظر حقا جد العلماء في ذلك العصر في جمع اللغة وابتكار النحو جدا لم يكن له نظير في العصور الإسلامية بعد؛ فاحتمال العناء في مخالطة الأعراب في البادية، وتحملهم السفر وخشونة العيش، وصبرهم على كل ما يلقون من مكروه، وتفكيرهم الطويل العميق مع الزهد في عرض الدنيا - كما يقدم لنا الخليل بن أحمد صورة من ذلك من أجمل الصور - كل هذا من غير شك يدعو إلى الإعجاب. (قال الأصمعي: قال عيسى بن عمر: «كنت أنسخ بالليل حتى ينقطع سوائي» أي وسطي)؛ وأبو العباس ابن عم الأصمعي يهلع من الغربة في البادية ويشتاق أهله فيهم بالرجوع، ثم يرى عربيا فيتوسل له أن يسهل له سبيل الأخذ عن الأعراب فيفعل، ويصحبه فيسمع قصيدة من أعرابي مطلعها:

لقد طال يا سوداء منك المواعد

ودون الجدا المأمول منك الفرقد

فيقول أبو العباس: «قد والله أنسيت أهلي، وهان علي طول الغربة وشظف العيش سرورا بما سمعت». وروي عن أبي المحلم أنه أنشد يونس بن حبيب أبياتا من رجز، فكتبها على ذراعه إذ لم يجد صحيفة.

ومثل ذلك كثير يشهد بأنهم عانوا في العلم أشد مما يعاني الجندي في صف القتال.

الفصل السابع

| التاريخ والمؤرخون

ذكرنا قبل أن أول ما عني به - من التاريخ الإسلامي - سيرة النبي

صلى الله عليه وسلم

وما يتبعها من مغاز، وأن هذا النوع من التاريخ اعتمد على شيئين: الأول ما كان دائرا بين العرب عن أخبار الجاهلية كأخبار جرهم ودفن زمزم، وأخبار قصي بن كلاب وغلبته على أمر مكة وجمعه قريش، ومعونة قضاعة له، وقصة سد مأرب ونحو ذلك. والثاني أحاديث رواها الصحابة والتابعون من بعدهم عن حياة النبي

صلى الله عليه وسلم

من ولادته ونشأته ودعوته إلى الإسلام، وجهاده مع المشركين وغزواته، وعلى الجملة أخباره إلى حين وفاته؛ وقد أضافوا إلى أخبار الجاهلية والإسلام الأشعار التي رويت في هذه الموضوعات، مما يصح بعضه ولم يصح بعضه عند الثقات.

وقد تأثر ما يروى في السيرة من أحداث قبل الإسلام بالنمط الذي تروى به أيام العرب في الجاهلية، كما تأثر ما يروى منها من أحداث الإسلام بنمط الحديث.

وقد كان تاريخ النبي

صلى الله عليه وسلم

داخلا فيما يروى من الحديث، وكانت الأحاديث فيه متفرقة يوم كان المحدث يجمع كل ما وصل إليه علمه من غير ترتيب، فلما رتبت الأحاديث في الأبواب، جمعت السيرة في أبواب مستقلة، كان من أشهرها باب يسمى «المغازي والسير»

1

ثم انفصلت هذه الأبواب عن الحديث وألفت فيها الكتب الخاصة، ولكن ظل المحدثون يدخلونها ضمن أبوابهم، ففي «البخاري» - مثلا - كتاب المغازي، وفي «مسلم» كتاب الجهاد والسير ، وفي «مسند أحمد» كتاب المغازي، إلى غير ذلك من الأبواب المتصلة بتاريخ النبي

صلى الله عليه وسلم

ونستطيع أن نضع الجدول الآتي، لبيان تسلسل التأليف في السيرة:

فأول من عرف بالتأليف في المغازي أربعة: أبان بن الخليفة عثمان المتوفى سنة 105ه، وقد كان واليا على المدينة لعبد الملك بن مروان سبع سنين، وعرف بالحديث والفقه، والظاهر أن سيرته التي جمعها لم تكن إلا صحفا فيها أحاديث عن حياة الرسول

صلى الله عليه وسلم

كما يدل، عليه قول ابن سعد في المغيرة بن عبد الرحمن: «وكان ثقة قليل الحديث، إلا مغازي رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيرا ما تقرأ عليه ويأمرنا بتعليمها»

2

ولكن من الغريب أن مؤلفي السيرة الأولين كابن سعد وابن هشام لم يرووا له شيئا في السيرة.

والثاني

عروة بن الزبير ، وهو من أشراف البيوت وأنبلها، أخو عبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير، أبوهم الزبير بن العوام، وأمه وأم عبد الله أسماء بنت أبي بكر، وقد ولد عروة سنة 23ه، ونشأ بالمدينة وأخذ الحديث والأخبار عن كثير من الصحابة، منهم: أبوه، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس؛ وكان يكره بني أمية ويجلس في مسجد الرسول بالمدينة مع علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فيتذاكران جور من جار من بني أمية والمقام معهم، وهما لا يستطيعان تغيير ذلك، ويخافان أن تحل عقوبة الله بهما لسكوتهما؛

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٨٧