تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أطراف ما يروى في ذلك أن جماعة من العلماء اختلفوا في اسم شاعر، فكتبوا إلى أربعة علماء يسألونهم عن اسمه الصحيح، فأجاب كل واحد بما يخالف الآخرين، فقال بعضهم: هو حريث بن مخفض (بالخاء والضاد)، وقال بعضهم محفص (بالحاء والصاد) وقال آخرون: هو ابن محيصن، وقال ابن دريد إنما هو حريث بن محفض (بالحاء والضاد).

94

وقد نصوا على بعض التصحيف ولكن ورد كثير من الكلمات إذا نظر فيها الناظر لا يشك في أنها من هذا الباب.

هذا إلى أن بعض اللغويين لم يكونوا ثقات، فكانوا بحضرة خليفة أو أمير أو في مجلس عام يسألون عن كلمة فيحرجون فيخترعون، كالذي حكي عن المبرد أن جماعة وضعوا له كلمة القبعض وسألوه عن معناها فقال: «معناها القطن» قال الشاعر: «كأن سنامها حشي القبعضا»،

95

فاخترع المعنى واخترع له الشاهد.

ومع ما بذله العلماء من جهد في التحري عن الخطأ والتصحيف والوضع بقي منه ما بقي في الكتب، ومما يؤسف له أن جهود العلماء وقفت تقريبا على ما وضع في العصر العباسي الأول والثاني، ولم يكن لمن أتى بعدهم إلا جمع ما قالوا أو اختصار ما جمعوا، فلم يحكموا بالإعدام على كلمات تبين عدم صحتها أو عدم الحاجة إليها، ولم يحكموا بصحة كلمات تثبت صحتها أو دعت الحاجة إليها.

وكذلك الشأن في الأدب إنما جمع في العصر العباسي، وروي من شعر الأدب ونثره ما كان العرب يتناقلونه في ذلك العصر شفاها، فحول من رواية شفوية إلى كتابة وتدوين، ودخل في الأشعار اختلاف الروايات كما رأيت؛ لأن الحافظة تخطئ كثيرا فتضع لفظا مكان لفظ، وتقدم بيتا على بيت، وتحذف بيتا كان إلخ، وجاء حماد وخلف الأحمر - كما سبق - وأمثالهما، فعدوا من الظرافة أن يتزيدوا، وتسابقوا في الوضع، واستغلوا إعجاب الناس بالجديد الذي لم يسمع من قبل، وتلهفهم على الكتابة عنهم ما لم يرو من قبل عن غيرهم، كما استغلوا إعجاب الناس بما يستخرج الدهشة من خبر غريب أو حادثة غير مألوفة، أو قصيدة فرشوا لها فرشا يناسبها؛ فكان من ذلك ما أدركه المفضل الضبي من أن تمييز الصحيح من غير الصحيح أصبح بعد هؤلاء الكذبة المهرة عسيرا أو محالا.

يقول الأصمعي: حدثنا بعض الرواة، قال: قلت للشرقي بن القطامي ما كانت العرب تقول في صلاتها على موتاها؟ قال: لا أدري، قلت: فاكذب له، قال: كانوا يقولون رويدك حتى تبعث الخلق باعثة، فإذا أنا به يوم الجمعة يحدث به في المقصورة؛ «وابن دأب» يضع الشعر وأحاديث السمر وكلاما ينسبه إلى العرب،

96

وملأوا الأحداث والغزوات التي غزاها النبي

صلى الله عليه وسلم

بالأشعار، فأدخلها محمد بن إسحق في سيرته. ومع هذا فلم ييأس العلماء أمثال محمد بن سلام الجمحي من أن يمتحنوا وينقدوا، ويدخلوا الشعر في البوتقة فيمتحنوا جيدة من زائفه.

كذلك نحن مدينون لهذا العصر كل الدين بالنحو والصرف، فما اخترعه الخليل ودونه وسيبويه وأكمله الفراء وأمثالهم في هذا العهد هو أساس كل ما وصل إلينا، فإن كان بعد جديد فتبويب وشرح وتبسيط وإكمال قليل، لكن لا اختراع جديد ولا إنتاج جديد. فإذا قلنا إننا عشنا القرون الطويلة نأكل من المائدة التي صنفها هؤلاء في اللغة والأدب والنحو والصرف، ولم نزد صنفا عليها، بل لم نغير كثيرا في طريقة إعداد الصنف وتهيئته لم يكن ذلك بعيدا من الصواب.

ومما ألاحظه أيضا أن اللغة والنحو لم يشترك في وضع أسسها غير العراق، فالمصريون والشاميون ساهموا في القراءات، وساهموا في الحديث، وساهموا في التاريخ، وساهموا في الفقه، وكان لهم في كل ذلك رجال يعدون في طبقة رجال العراق، كما أبنا ذلك عند الكلام في مراكز الحياة العقلية، ولكنا - فيما وصل إلينا - لم نجد مصريا أو شاميا جد في جمع اللغة وتدوينها في ذلك العصر كما جد أبو عمرو بن العلاء، والخليل والأصمعي وأضرابهم، مع أن في مصر عربا خلصا كان المصريون يستطيعون أن يدونوا ما يسمعونه عنهم فيكون لهم نصيب في ذلك، وربما أفادونا لونا غير اللون الذي أثر عن العراقيين، وكان بالشام عرب خلص كذلك، وقريب منهم بادية الشام، فيستطيعون أن يخرجوا إليها يستمعون أعرابها ويدونون ما سمعوا منهم، كما فعل الأصمعي والكسائي وغيرهما، وربما أفادونا في ذلك لونا خاصا أيضا، ولكنهم لم يفعلوا، ولم نعلم كذلك من المصريين والشاميين من وضع حجرا أساسيا في بناء النحو في عهد تأسيسه، كما فعل الخليل وسيبويه والفراء. قد كان لمصر الليث بن سعد، وللشام الأوزاعي وهما يضارعان فقهاء العراق، ولكن لم يكن لهما أصمعي ولا سيبويه - فيما نعلم - وربما كان السبب في ذلك جملة أمور مجتمعة منها: أن اللغة العربية لم تنتشر في مصر انتشارها في العراق، فعرب أهل مصر لا حاجة لهم يجمع لغة ولا بنحو، وأهل مصر أنفسهم أخذوا يتعلمون اللغة العربية في العصر الأموي تعلما ابتدائيا لا يمكنهم من جمع وابتكار فيها، فلما نضجوا أو قاربوا النضج كان النحو قد تكون واللغة قد جمعت، أما العلوم الأخرى من حديث وتاريخ وتشريع فالباعث الديني كان عندهم فيها أقوى من الباعث اللغوي أو النحوي، والعرب الذين في مصر في حاجة إلى الحديث وما يتبعه من تاريخ وتشريع، لا إلى نحو ولا إلى لغة؛ فلما اشتغلوا هم بالحديث وما إليه دون اللغة والنحو قلدهم في ذلك غيرهم من الموالي، وقريب من ذلك يصح أن يقال في الشاميين، وإن كانوا أكثر اتصالا بالعرب من المصريين. ومنها: أن ظروفا خاصة أشرنا إليها قبل جعلت تأسيس النحو في البصرة، ثم نقلت العدوى إلى الكوفة فتعاون المدرستان في تأسيسه والنحو وليد اللغة، ولم تنتقل العدوى إلى مصر والشام لبعد المسافة. ومنها: أن العراق ربيب حضارات مختلفة، وأهله قد شغلوا بالعلوم كثيرا قبل أن يتعربوا، وبعض هذه الأمم كان لها لغة معروفة ونحو موضوع، فلما تعربوا اتجهت أفكارهم المنظمة تنظيما علميا أن يؤسسوا في العربية ما أسس قبل ذلك في غيرها؛ أضف إلى ذلك ذوق الخلفاء والأمراء العباسيين في العراق وتشجيعهم لحركة اللغة والنحو، ولم يكونوا كالأمويين الذين يشجعون الأدب العربي من ناحية روايته، لا من ناحية علميته؛ فكل هذا ونحوه أنتج الظاهرة التي أبناها. •••

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٨٦