تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد، فنظرة إلى ما تقدم ترينا: أن هذا العصر كان العصر الذي جمعت فيه اللغة ونقلت من الألسنة إلى الكتب، ومن المشافهة إلى التحرير، وأن الذين تولوا ذلك التدوين والجمع هم من ذكرنا وقليل أمثالهم، وفي الواقع أن هؤلاء مهما بلغوا من الجد لم يستطيعوا أن يدونوا كل كلمات العرب على اختلاف قبائلهم؛ لأن ذلك كان يحتاج إلى سلطة عليا دقيقة منظمة تضع خطة محكمة تشبه الخطة التي تضعها «مصالح الإحصاء الرسمية»، فتحدد القبائل التي يصح الأخذ عنها، وتوجه كل طائفة من العلماء إلى قبيلة أو جملة قبائل، وترسم لهم طريقة الأخذ والتدوين، ولو فعلت لكان الحصر أوفى والضبط أتم، ولما استطاع فرد أو أفراد أن يختلقوا أو يتزايدوا؛ ولكن هذه الفكرة لم تكن في ذلك العصر ولا يمكن أن تكون، ولم تتخذ الحكومة في ذلك الوقت أية خطوة للإشراف على الحركة العلمية، سواء في ذلك الدولة الأموية والعباسية، وسواء في ذلك العلوم اللسانية والعلوم الدينية، حتى القانون الذي تحكم به الرعية لم يتخذ شكلا رسميا، ولم تحتضنه الدولة - كما رأيت عند الكلام في الفقه - بل كانت الحركات العلمية مجهود الأمة نفسها، فهم يتعلمون بمحض إرادتهم ويعلمون بمحض إرادتهم، والرغبة الشخصية هي التي تدفع للتعلم، والكفاية الشخصية في الأوساط العلمية هي وحدها التي تؤهل العالم أن يعلم ويتخذ له حلقة في المسجد وهكذا. فهؤلاء اللغويون جدوا من أنفسهم في جمع اللغة وتدوينها، أما من طريق الخروج إلى البادية، أو من رحلة الأعراب إليهم وسماعهم منهم؛ وطبيعي أنهم بهذا الشكل - الذي لم ترسم له خطة محدودة - يفوتهم كثير من الكلمات العربية لم تقع لهم، وهذا ما يعلل ما نرى من أن كثيرا من الكلمات التي وردت في الشعر الفصيح الصحيح من جاهلي وإسلامي لم يرد له ذكر فيما بين أيدينا من معاجم، وكلمات كثيرة استعملت في الشعر الفصيح الصحيح للدلالة على معان لم تفسرها المعاجم تفسيرا يتفق وهذه المعاني.

كذلك كان هذا العمل الفردي الاجتهادي سببا في أن لغويا قد يفهم من مخالطته للعرب وسماعه للكلمة مدلولا قد فهمه من القرائن، على حين أن لغويا آخر سمع هذه الكلمة وفهم من قرائن أخرى مدلولا يخالف المدلول الذي فهمه الأول مخالفة قريبة أو بعيدة، وهذا هو الذي يفسر ما نراه في المعاجم التي بين أيدينا من إيراد احتمالات مختلفة لتفسير الكلمات. وقد يكون لهذا سبب آخر وهو أن الكلمة التي تكون واحدة وتستعملها قبيلة في معنى، وتستعملها قبيلة أخرى في معنى آخر، وعدم النظام الذي ذكر جعل الراوي لا يعين القبيلة التي أخذ منها هذه الكلمة وهذا المعنى - غالبا - ولهم بعض العذر في ذلك؛ فلو فعلوا لبلغ المعجم مجلدات عديدة.

وناحية أخرى وهي أن ضعف الكتابة العربية في ذلك العصر، وعدم العناية بالنقط والشكل، وتقارب الحروف في اللغة العربية، والاكتفاء في التفريق بينها بالنقط مع أنهم لا يلتزمونه، جعل التصحيف ميسورا سهلا، فلا فرق بين العين والغين إلا النقطة، ولا بين الباء والتاء والثاء والنون والياء في أول الكلمات ووسطها إلا النقط، وهذا هو الذي يفسر ما نرى في المعاجم من أن الكلمة يرويها بعضهم بالعين وبعضهم بالغين، وكلمة أخرى يرويها بعضهم بالفاء وبعضهم بالقاف، وكلمة ثالثة يرويها بعضهم بالصاد وبعضهم بالضاد، وكل يخطئ الآخر، وقد فتحت «لسان العرب» حيثما اتفق فخرجت مادة قبض فوجدت فيها ما يأتي: قال الليث: «القبيضة من النساء القصيرة: وقال الأزهري: هذا تصحيف والصواب القنبضة». وفيها: في حديث بلال في التمر، فجعل يجيء به قبضا قبضا»، وقد روي بالصاد المهملة. وفيها أن بيت الشماخ:

وتعدو القبضي قبل عير وما جرى

ولم تدر ما بالي ولم أدر ما لها

يرويه بعضهم القبضي بالضاد وبعضهم القبصي بالصاد، فهذه ثلاثة تصحيفات في مادة واحدة، فكم في اللغة جميعها.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٨٥