تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لمن الديار بقنة الحجر

أقوين مذحجج ومذ دهر

قفرا بمندفع النحائت من

ضفوى أولات الضال والسدر

دع ذا وعد القول في هرم

خير الكهول وسيد الحضر

وروي أن أعرابيا جاء حمادا فأنشده قصيدة لم تعرف ولم يدر لمن هي، فقال حماد: اكتبوها، فلما كتبوها وقام الأعرابي قال حماد: لمن ترون أن نجعلها؟ فقالوا أقوالا، فقال حماد: اجعلوها لطرفة.

87

وحماد هو الذي جمع السبع الطوال «المعلقات». ويقول الأصمعي: «كل شيء في أيدينا من شعر امرئ القيس فهو عن حماد الراوية إلا شيئا سمعناه من أبي عمرو بن العلاء»

88

ثم هو يحدث عن بني أمية الأحاديث الغريبة أشبه ما تكون بقصص ألف ليلة.

89

ومات سنة 155 بعد أن ملأ العالم الإسلامي بما وضع، وخلف لنا تلميذه وراويته ومن على شاكلته، وهو الهيثم بن عدي وسيأتي ذكره.

90

هذا هو حماد الكوفي ونظيره خلف البصري، فقد كان كذلك من أعلم الناس بالشعر ومن أوضعه فيه «وضع على شعراء عبد القيس شعرا موضوعا كثيرا وعلى غيرهم، وأخذ ذلك عنه أهل البصرة والكوفة ... وكان يضرب به المثل في عمل الشعر، وكان يعمل على ألسنة الناس فيشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه. ثم نسك فكان يختم القرآن كل يوم وليلة ... فلما نسك خرج إلى أهل الكوفة فعرفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له: أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة، فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم،

91

ومات في حدود سنة 180 ولكن يظهر أن خلفا البصري كان أقل جرأة على الكذب من حماد الراوية، بل نرى العلماء يختلفون في صدق خلف ولا يختلفون في كذب حماد، فتلميذ خلف محمد بن سلام الجمحي صاحب طبقات الشعراء يوثقه إذ يقول: «أجمع أصحابنا أن الأحمر كان أفرس الناس ببيت شعر وأصدق لسانا، وكنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرا أو أنشدنا شعرا ألا نسمعه من صاحبه».

92

وربما كان هذا من الأسباب التي جعلت شعر الكوفة أكثر، والعلماء أقل به ثقة، فيقول أبو الطيب: «والشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله، وذلك بين في دواوينهم».

93

ولكن مما لا شك فيه أيضا أن من وسائل الخصومة التي كانت بين البصريين والكوفيين أن بعض علماء كل بلد كانوا يبالغون في تجريح الآخرين.

وعلى الجملة كان البصريون أقوى وأكثر إنتاجا وأوثق رواية، ولذلك أسباب: منها أن الأعراب الفصحاء الذين كانوا يردون على البصرة ومربدها أكثر ممن كانوا يردون على الكوفة، وهؤلاء الوافدون من الأعراب أخذ عنهم العلماء كثيرا من اللغة والأدب، فكما كانت طريقة الأخذ الرحلة إلى البادية كان كذلك رحلة الأعراب إلى الأمصار، وكانوا يفضلون أعراب بادية البصرة على أعراب بادية الكوفة؛ لأن الأولين أعرق بداوة والآخرين أفسدتهم الحضارة. ومنها: - ما علمت - من أن مدرسة البصرة سبقت مدرسة الكوفة بنحو مائة سنة في الوجود، فكان طبيعيا أن ينضج النحو واللغة في البصرة أكثر مما نضج في الكوفة. ومنها: أن الكوفيين كانوا أكثر صلة بالأمراء والخلفاء ببغداد، وهذا جعل تزاحم الكوفيين على الأبواب أشد، وجعلهم يتخيرون ما يحسن في السمر والمنادمة، ويتزيدون فيما يعجب وبخاصة ما ليس في التزيد فيه حرج كبير، كالحكايات والقصص من الأعراب؛ ولكن من ناحية أخرى يظهر لي أن الكوفيين لقربهم من الخلفاء، ولاشتغالهم بمهنة تأديب أولاد الخلفاء والأمراء كانوا يتجهون في اللغة والعلم جهة الإيضاح والتبسيط أكثر مما فعل البصريون، وقد رأيت أن الفراء الكوفي مؤدب أولاد المأمون جعل النحو أقرب إلى أن يكون في متناول الصبيان، على حين أنهم يروون أن «المبرد كان إذا أراد مريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه (البصري) يقول له: هل ركبت البحر؟ تعظيما لكتاب سيبويه واستصعابا لما فيه».

وأيا ما كان فقد استمر التعاون بين المدرستين في خدمة العلم، والنزاع المستمر والتفاخر والترامي بالكذب والوضع إلى أواخر القرن الثالث الهجري فكان لكل مدرسة شخصيتها ومميزاتها وأعلامها إلى أن اختلطتا وامتزجتا في مدرسة بغداد، فأخذت الفروق تضمحل، وأخذ علماء النحو واللغة بعد يدرسون مسائل الخلاف بين المدرستين على أنها مسائل تاريخية، وربما كان خاتمة أعلام المدرستين ثعلب الكوفي، المتوفى سنة 285، والمبرد البصري المتوفى سنة 291 وكان بينهما من المفاخرة والمناقب الشيء الكثير، ثم خفت من بعدهما الجدال وقل النزاع. •••

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٨٤