85
قد اتخذه المأمون مربي أولاده، وكان الفرق بين الفراء والكسائي كالفرق بين المأمون والرشيد، وكالفرق بين محافظة الرشيد وحرية العقل عند المأمون، وكالفرق بين الحركة العلمية الناشئة في عهد الرشيد، والناضجة في عهد المأمون؛ وكان للفراء أثر واسع في التفسير وفي اللغة وفي النحو، وقد طلب إليه المأمون أن يجمع أصول النحو ، وأن يجمع ما سمع من العرب، وأفرد له حجرة من حجر قصره، ووكل إليه من يخدمه، وجعل بين يديه خزائن كتبه، وجعل له الوراقين يكتبون بين يديه، فعكف على ذلك وألف الكتب، وضبط النحو وفلسفه، فألف فيه كتاب الحدود، واسم الكتاب يدل على تأثره بالمنطق، فهو يريد بالحدود التعاريف كحد المعرفة والنكرة وحد النداء وحد الترخيم إلخ.. وهذه أمور لم يعن بها سيبويه في كتابه كثيرا، وهي أثر من آثار الفلسفة والمنطق، وكان له فضل تقريب النحو إلى الإذهان حتى ليستطيع أن يفهمه الصبيان، على عكس ما كان عليه سيبويه من العمق والصعوبة، كما أنه جمع اللغة وضبطها؛ يقول ثعلب: «لولا الفراء ما كانت اللغة لأنه حصلها وضبطها»، كما كان له أثر في تفسير القرآن، وقد تقدم في موضعه.
وعلى الجملة فقد خطا الفراء باللغة والنحو خطوة واسعة نحو الضبط، وتقعيد القواعد، وتمييز الفروع من الأصول، ظهر ذلك في كتب من بعده لأن أكثر كتبه لم تصل إلينا. وقد مات سنة 207.
وممن كان في طبقة الفراء من الكوفيين محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي ولم يكن أبوه أعرابيا كما يتبادر من اللفظ، بل كان عبدا سنديا، وإنما لقب بالأعرابي «لأنهم يقولون رجل أعجم وأعجمي إذا كان في لسانه عجمة وإن كان من العرب، ورجل عجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا، ورجل أعرابي إذا كان بدويا وإن لم يكن من العرب، ورجل عربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويا» وقد عرف بالنحو، وعد من أكابر أئمة اللغة، وكان راوية لأشعار القبائل، ومنح حافظة لاقطة تشبه حافظة الأصمعي، كان يملي على الناس من حفظه ما لو جمع لألف كتبا عديدة، ويظهر أنه كان ثقة فيما يروي قاسي الحكم على العلماء، وقد جرح الأصمعي وأبا عبيدة والكسائي، ورماهم بالكذب والاختلاق. مات سنة 231 عن نحو ثمانين عاما.
وهناك فن متميز نوع تميز وهو فن رواية الأشعار والأخبار وأيام العرب وأحداثها، وقد كان من سبق ذكرهم قبل يساهمون في هذا الباب قليلا أو كثيرا، ولكن اشتهر قوم بهذا الفن وغلب عليهم و عرفوا به، وشاء القدر أن يكون أحد رءوس هذا الفن أيضا كوفيا والآخر بصريا، فالكوفي حماد الرواية والبصري خلف الأحمر، كلاهما غير عربي الأصل؛ فحماد ديلمي، وخلف فرغاني، وكلاهما واسع العلم عارف بالشعر وفنونه ومميزات عصوره، عالم بالأخبار والأيام والأحداث، وكلاهما أخذ عنه البصريون والكوفيون جميعا، وكلاهما كاذب وضاع. قال ابن الأعرابي: «سمعت المفضل الضبي يقول: قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا، فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أو يلحن؟ قال ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك».
86
وروى الأغاني أن المهدي قال للمفضل: «إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال: دع ذا وعد القول في هرم - ولم يتقدم له قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلا أني توهمته كان يفكر في قول يقوله، أو يروي في أن يقول شعرا فعدل عنه إلى مدح هرم، وقال: دع ذا. ثم دعا المهدي بحماد فسأله هذا السؤال فقال حماد ليس هكذا قال زهير ياأمير المؤمنين، قال: فكيف قال؟ قال فأنشده: