تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ترك من الكتب كثيرا أهم ما بقي لنا منها: كتاب النقائض بين جرير والفرزدق، جاء في أوله: «قال الحسن بن الحسين السكري: قال محمد بن الحبيب، حكي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي قال إلخ»، وقد ذكر فيه ما كان بين جرير والفرزدق من أشعار النقائض، وعليها بعض تفسيرات لغريبه، وشرح واف لأيام العرب وما كان فيها من أحداث، مما كان أساسا لما جاء منها في العقد الفريد، وتاريخ ابن الأثير وغيرهما؛ فالكتاب خير دليل على ما كان لأبي عبيدة من سعة الاطلاع في الأدب والشعر وتاريخ العرب وقبائلهم وأنسابهم، وقد قام بنشره الأستاذ بيفان

Bevan

من سنة 1905 إلى سنة 1912 في ثلاثة مجلدات، اثنان في النقائض وشرحها، وثالث في فهارسه، وهو من غير شك، أكبر أثر لأبي عبيدة بين أيدينا يدل على طريقته ومنهجه في التأليف ولغته وأسلوبه.

هؤلاء الثلاثة هم نجوم البصرة، وهم العلماء الذين أخذنا عنهم أكثر اللغة والأدب، فلو جردت كتب اللغة مما أخذ عنهم ما بقي إلا أقلها.

وكان يقابلهم من علماء الكوفة نجوم أخرى ثلاثة: الكسائي والفراء والمفضل الضبي، وكلهم كان في قصر الخليفة، وكلهم كان مربي ولي عهد.

فأما المفضل الضبي فعربي من ضبة، ومن أشهر علماء الكوفة، يروون أنه خرج على المنصور مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فظفر به المنصور ثم عفا عنه وجعله مربي ابنه المهدي؛ وقد اشتهر بالنحو ومعرفته بالأنساب وأيام العرب وروايته للشعر، وعرف بالصدق فيما يروي، مات سنة 164 أو 168 أو سنة 170 على اختلاف في الروايات.

وقد بقي لنا من أهم كتبه كتاب المفضليات، وقد تقدم القول فيه، وكتاب الأمثال.

وأما الكسائي ففارسي الأصل كسيبويه البصري، نشأ في الكوفة، وتعلم بها علي أبي جعفر الرؤاسي، وذهب إلى البصرة وأخذ عن الخليل بن أحمد، ثم خرج إلى بوادي الحجاز ونجد وتهامة، فرجع وقد أنفذ خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ، ولم يبلغ في النحو مبلغ سيبويه، كما يدل عليه ما نقل إلينا من مناظراته النحوية؛ وقد كان في قصر الرشيد في اللغة والنحو نظير أبي يوسف في الفقه،

79

واتخذه مؤدبا لولديه الأمين والمأمون، «وكان أثيرا عند الخليفة حتى أخرجه من طبقة المؤدبين إلى طبقة الجلساء والمؤانسين».

80

وقد اشتهر بالنحو واللغة والقراءات «ولم يكن له في الشعر يد حتى قيل ليس في علماء العربية أجهل من الكسائي بالشعر».

81

وقد هجنه البصريون، وقالوا إنه أخذ نحوه من البصريين، ثم سار إلى بغداد فلقي أعراب الحطمية،

82

فأخذ عنهم الفساد من الخطأ واللحن ؛ فأفسد بذلك ما كان أخذه بالبصرة كله. وقالوا: «إن الكسائي كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز من الخطأ واللحن، وشعر غير أهل الفصاحة والضرورات، فيجعل ذلك أصلا ويقيس عليه حتى أفسد النحو». وقد تقدم أن هذه هي الطريقة التي سار عليها الكوفيون في النحو، ويظهر ممانقل عنه أنه كان كثير القياس كثير التأويل، فكثيرا ما يجيز الجر والرفع والنصب والفتح والضم والكسر على تأويل بعيد

83

وكان أقل حظا من سيبويه في التعليل.

وقد اختلفوا في توثيقه شأنهم مع الأصمعي وغيره، فكان أبو زيد الأنصاري يقول: «ما جربت على الكسائي كذبة قط»، وابن الأعرابي يثلبه بأقبح المثالب ويقول: «لئن كان أبو زيد قال هذا فما في الأرض أحد أخل عقلا منه»،

84

هذا مع أن أبا زيد بصري وابن الأعرابي كوفي وتلميذ للكسائي؛ والصورة التي يصوره بها الخطيب البغدادي صورة تدل على الصدق والكمال، وسعة العلم والأدب، وأيا ما كان فأكثر الناس على تعديله وتوثيقه، لا سيما وهو أحد مشهوري القراء. مات سنة 189.

ولم يبق لنا من كتبه إلا رسالة تنسب إليه في لحن العامة.

وجاء بعد الكسائي تلميذه الفراء، وهو يحيى بن زياد الديلمي الأصلي الأسدي بالولاء، وكان - بلا شك - أعلم الكوفيين، جمع إلى علم الكوفيين علم البصريين، فأخذ عن الكسائي الكوفي كما أخذ عن يونس البصري، ثم هو كبير العقل بجانب سعة الاطلاع، فهو بحر في اللغة، ونسيج وحده في النحو، حتى يلقب بأمير المؤمنين في النحو، وفقيه عالم باختلاف الفقهاء، وماهر في علم النجوم، وخبير بالطب، وحاذق في أيام العرب وأخبارها وأشعارها، وهو إلى ذلك متكلم «يميل إلى الاعتزال، وكان يتفلسف في تصانيفه ويستعمل فيها ألفاظ الفلاسفة»

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٨٢