وكان أبو زيد أكثر الثلاثة أخذا عن العرب في البادية، وله في الأخذ عنهم مذهب يخالف مذهب الأصمعي، فالأصمعي كان يضيق دائرة الأخذ، ولا يجوز إلا أصح اللغات، ويشدد في ذلك، وأما أبو زيد - فمع تحريه الشديد وتوثيق الناس له أكثر من الأصمعي - كان لا يضيق دائرة من يؤخذ عنهم، بل يروي ما سمعه ولو كان غريبا نادرا؛ ولذلك انفرد بأشياء، وكان ما روي عنه من اللغة أكثر مما روي عن الأصمعي.
وعمر طويلا حتى قارب المائة، واختل حفظه ولم يختل عقله، أراد الرياشي أن يقرأ عليه كتابه في الشجر والكلأ، فقال أبو زيد: «لا تقرأه علي فإني أنسته». مات سنة 215.
وبقي لنا من كتبه: كتاب «النوادر»، وكتاب «المطر»، وكتاب «اللبأ واللبن».
فكتاب النوادر قال في أوله: «ما كان فيه من شعر القصيد فهو سماعي من المفضل بن محمد الضبي، وما كان من اللغات وأبواب الرجز فذلك سماعي من العرب» وطريقته فيه أن يأتي بالقطعة من القصيدة أو الرجز، البيتين أو الثلاثة أو أكثر ثم يشرح ما فيها من غريب، ويظهر أنه قد تعمد اختيار الأبيات التي فيها غريب ليشرحه، مثال ذلك قوله: قال رجل من غطفان:
لقد علمت أم الصبيين أنني
إل الضيف قوام السنات خروج
إذا المرغث العوجاء بات يعرها
على ثديها ذو ودعتين لهوج
وإني لأغلي اللحم نيئا وإنني
لممن يهين اللحم وهو نضيج
السنات: جمع سنة وهي النعاس، والمرغث: المرضع، فلذلك دعيت عوجاء، وعجفاء، وعوجها عجفها، والودعتان منقافان في عنقه إلخ.
ويظهر أن هذا الكتاب قد دخلته حواش كثيرة من أئمة اللغة بعده، ففيه نقل عن أبي حاتم السجستاني والرياشي والمبرد وغيرهم ممن كانوا من تلاميذه أو جاءوا بعده.
وأما كتاب «المطر» و«اللبأ واللبن»،
78
فعلى مثال رسائل الأصمعي في النخل والكرم، فيقول - مثلا - في كتاب «اللبأ واللبن»: «يقال للبن المذيق ضيح، والحضار والثمال الذي ماؤه أكثر من حليبه، والقطيبة أن يخلط لبن المعز بلبن الضأن، وهي النخيسة أيضا، تدعى النخيسة إذا حمضت، وكل ممزوج قطيب» إلخ. والكتاب في نحو ورقتين اثنتين.
أما أبو عبيدة معمر بن المثنى، ففارسي الأصل، يهودي الآباء، تيمي بالولاء كان أعلم الثلاثة وأوسعهم اطلاعا، مكنته ظروفه من ثقافات واسعة، ثقافة يهودية وفارسية وعربية، لا يقتصر على اللغة والنحو والنوادر كزميليه، بل يشارك في كثير من العلوم، ويعرف كثيرا من أخبار العرب وأيامها، ويقارن ذلك بأخبار الفرس وأيامها، ولكن إذا كان فارسي الأصل عربي المربى لم يكن يحسن التعبير بالعربية إحسان الأصمعي وأبي زيد، وقد وصفه أبو نواس أحسن وصف إذ قال: «أبو عبيدة عالم ما ترك مع أسفاره يقرؤها». فهو عالم لا بليغ ولا صفيح، يفوق قرينيه في القدرة على التأليف وسعة الاطلاع، ويفوقانه في حسن الأداء، ومكنته فارسيته من التحرر من العصبية العربية، فهو شعوبي يطعن على العرب أحيانا وعلى أنسابهم ويؤلف الكتب في معايبهم؛ ولكنه مع هذا عالم باللغة العربية علما واسعا لا يقل كثيرا عن علم الأصمعي وأبي زيد بها، حتى قال ابن مناذر: «كان الأصمعي يجيب في ثلث اللغة، وكان أبو عبيدة يجيب في نصفها، وكان أبو زيد يجيب في ثلثيها»؛ وقد فسر بعضهم هذه الجملة بأن ليس منشأ ذلك سعة الاطلاع وقلته ولكن منشؤه التوسع في الأخذ والتحمل والفتيا والتضييق فيها، فكان بعضهم أشد تضييقا فيما يأخذ كالأصمعي، «وكان أبو عبيدة أعلم الثلاثة بأيام العرب وأخبارهم وأجمعهم لعلومهم»، حتى روي عنه أنه كان يقول: ما التقى فرسان في جاهلية ولا إسلام إلا عرفتهما وعرفت فارسيهما»، وهي مع غلوها تدل على معرفة واسعة بالأخبار. وقد استقدمه بغداد إسحق بن إبراهيم الموصلي وقربه إلى الرشيد، وكان هو وبعض الفرس كالبرامكة يقدمونه على الأصمعي ويزاحمونه به عصبية منهم؛ وفي الواقع كان هو أعلم من الأصمعي، وقد حررته فارسيته من الخضوع للعصبية العربية، وكان لا يتشدد في تفسير آيات القرآن والحديث تشدد الأصمعي، ولا يتحرج من أن يجتهد في الفهم، ويقول في ذلك ما يؤديه إليه اجتهاده؛ وعمر كذلك طويلا حتى قارب المائة، ومات سنة 213.